كنز جيني في الأردن يكشف سر أقدم جائحة عرفها التاريخ

3 د للقراءة
3 د للقراءة
كنز جيني في الأردن يكشف سر أقدم جائحة عرفها التاريخ

صراحة نيوز- تمكّن فريق علمي من كشف لغز أول جائحة موثقة في التاريخ، بعد أن نجح في فك الشيفرة الجينية للبكتيريا المسببة لها، والتي ضربت منطقة شرق البحر المتوسط قبل نحو 1500 عام.

وقد اكتشف الباحثون بكتيريا اليرسينية الطاعونية (Yersinia pestis)، المسببة لمرض الطاعون، في مقبرة جماعية بمدينة جرش الأثرية في الأردن، الواقعة على مقربة من البؤرة الأولى التي انطلق منها الوباء.

ونُشرت نتائج الدراسة في دورية Genes، مؤكدة أن هذه البكتيريا كانت بالفعل السبب وراء “طاعون جستنيان”، لتنهي بذلك جدلًا طويلًا استمر في الأوساط العلمية والتاريخية.

امتد طاعون جستنيان بين عامي 541 و750 ميلادية، وأودى بحياة عشرات الملايين، كما أدى إلى تغييرات كبيرة في التوازنات السياسية داخل الإمبراطورية البيزنطية. وعلى الرغم من وجود روايات تاريخية تشير إلى طبيعة المرض، إلا أن الدليل البيولوجي الحاسم ظل غائبًا لعقود.

وفي هذا السياق، قال الدكتور رايز جيانغ من جامعة جنوب فلوريدا، وأحد المشاركين في الدراسة:
“هذا الاكتشاف هو أول دليل مادي يربط بكتيريا اليرسينية الطاعونية مباشرة ببؤرة تفشي طاعون جستنيان. لقد اعتمدنا طويلًا على النصوص القديمة، ولكن الآن لدينا دليل علمي لا يمكن إنكاره”.

ووفقًا للمصادر التاريخية، بدأ الوباء في مدينة الفرما (Pelusium) القديمة في مصر، قبل أن ينتشر بسرعة عبر أراضي الإمبراطورية الرومانية الشرقية.
ورغم العثور في السابق على آثار للبكتيريا في مواقع بعيدة في أوروبا، فإن هذه أول مرة يُكتشف فيها دليل مباشر من قلب الإمبراطورية.

أوضح البروفيسور جريج أوكوري-كرو، أحد مؤلفي الدراسة، أن الفريق استخدم تقنيات تحليل الحمض النووي القديم لاستعادة المادة الوراثية من ثمانية أسنان بشرية جُمعت من غرف دفن أسفل مضمار سباق روماني في جرش. وتبعد المدينة نحو 200 ميل فقط عن مدينة الفرما، ما يجعل الاكتشاف ذا أهمية خاصة.

وقد أظهر التحليل الجيني تطابقًا شبه كامل بين سلالات البكتيريا المكتشفة، مما يؤكد انتشارها في تلك الفترة بين عامي 550 و660 ميلادية داخل مناطق رئيسية من الإمبراطورية.

وتتطابق هذه النتائج مع ما ورد في المصادر التاريخية عن تفشي سريع ومدمر أدى إلى وفيات جماعية، حيث تحولت مواقع عامة كميادين السباق إلى مقابر طارئة، ما يعكس حجم الكارثة الصحية.

وفي دراسة موازية نُشرت في دورية Pathogens، تبيّن أن بكتيريا الطاعون كانت تنتقل بين البشر والحيوانات منذ آلاف السنين قبل طاعون جستنيان. كما أظهرت أن التفشيات الكبرى، مثل “الموت الأسود” في القرن الرابع عشر، لم تكن جميعها ناتجة عن سلالة واحدة، بل نشأت بشكل مستقل من مستودعات حيوانية استضافت البكتيريا على مدى قرون.

تسلّط هذه النتائج الضوء على أن الأوبئة ليست أحداثًا نادرة في التاريخ، بل جزء من دورة متكررة تتأثر بالكثافة السكانية، والتنقل البشري، والتغيرات البيئية.

واختتم الدكتور جيانغ حديثه قائلاً:
“لقد واجهنا الطاعون على مدار آلاف السنين، وما زال يودي بحياة البعض حتى اليوم. ومثل فيروس كوفيد-19، يستمر هذا الممرض في التطور. ورغم أن استراتيجيات الاحتواء قد تخفف من أثره، إلا أنها لا تقضي عليه تمامًا. علينا أن نكون مستعدين دائمًا، لأن هذا التهديد قد يخبو، لكنه لا يختفي”.

Share This Article