المِرْياعْ .. مطواع .. بِذِلّة

6 د للقراءة
6 د للقراءة
المِرْياعْ .. مطواع .. بِذِلّة

صراحة نيوز- بقلم / عوض ضيف الله الملاحمة

ما أكثر المراييع في بلدي . هم أدوات ، يُقولبون كما المعجونة التي يلعب بها الأطفال . لديهم مواصفات خاصة جداً ، حيث يتصفون بالسقوط ، و( السقاطة ) ، والتفاهة ، والخِسة ، وغياب الكرامة . لا يندَ لهم جبين ، ولا يحمرّ لهم وجه ، ولا يقشعر لهم بدن ، ولا ترتفع لهم هامه ، أدمنوا الإنحناء ، والتغابي والغباء . هم بلا كرامة ، جباههم لا تعرف الرِفعة ، ووجوههم أدمنت تلقي الصفعة تلو الصفعة . لا يعترفون بدين ، ولا يلتزمون بقيم ، يعشقون الوضاعة والصفاقة ، والتذلل .

لجماعة الكورنفلكس ( المرياع ) هو كبش في الهيئة فقط ، مسلوب منه كافة أدوار ومهام الكبش الفعلية المعروفة ، بما فيها ( الإخصاء ) ، لإنتزاع فحولته ، حتى لا ينشغل في موسم ( الهْدَادْ ) عن دوره الذي رُسِم له . أثناء تربيته لا يرضع الحليب من أُمِّه كما باقي الخِراف ، تتم تربيته منذ صغره على شُرب الحليب ( بالقَدَحْ ) او بكف الراعي ، لذلك هناك قول معروف بين مربي الأغنام ، حيث يُقال ( تربات قَدَحْ ) ، ويقال لتوصيف التبعية ، والإنصياع ، والخضوع ، وإلغاء الشخصية .

المرياع مثال دقيق لتوصيف الفرق الكبير بين المظهر والمخبر . فليس كل ذو هيبة له شأن . وليس كل صاحب مظهر يستأثر بالاحترام .

المرياع شخصيتة زائفة الهيبة ، وضيعة المقام ، تُدار من حِمار ، ليسهل على الراعي إدارة القطيع . وهناك مواصفات للمرياع ، حيث يتم إنتقاؤه من بين الخِراف ، ممن يتمتعن بالبنية الضخمة ، والهيبة ، وفق تتبع ألأُم والأب — أي النعجة والكبش — ويتم تجريده من كافة الصفات والمواصفات ، إلا من الشكل ، حيث لا يُكتفى بالمحافظة على الشكل ، بل يتم تطويره ، وتضخيمه ، لإضفاء مزيد من الهيبة على هيبته الجينية الموروثة ، فلا يتم جَزّ صوفه ، أحياناً يتم جَزّ جزء من الصوف والإكتفاء ب ( التميمة ) اي إبقاء الجزء العلوي من الصوف ليبدو أضخم من باقي أفراد القطيع ، كما يتم إضافة ( المُغرة ) على الصوف ، وتعني صبغ معظم الصوف باللون الأحمر ، ليرمز للقوة ، والعظمة . كما يُضاف لهيئة المرياع هيبة أخرى تتمثل بتعليق ( قُرقاع ) أي جرس نحاسي ضخم في رقبته ، لِيُصدِر صوتاً عالياً ، قوياً ، عظيماً مُرعباً عند اي حركة إهتزاز من رقبته ، ويكون رباط الجرس منسوج من الصوف بعناية وبالوان متعددة ، ويشترط ان يكون عريضاً ليضفي مزيداً من الهيبة ، وحتى لا يؤذي رقبة المرياع . ومن ثُقل الجرس وكِبر حجمه يضطر المرياع لحني رقبته كثيراً لدرجة ان مقدمة رأسه تكاد تلامس الأرض ، فيُدمِن الإنحناء ، والخضوع ، والركوع ، والتبعية . كما يضاف الكثير من الزخرفات والألوان الممزوجة المنسوجة من الصوف لتكتمل الضخامة والفخامة الزائفة .

راعي القطيع يكون لديه حماراً او كُرّاً صغير الحجم مطواع للراعي ، يقتفي خطوات الراعي في المسير . والمرياع يقتفي خطوات الحمار ، لا بل إن رأس المرياع يكون دائماً عند أسفل طرف ذيل الحمار . ويسير القطيع بكامله وراء المرياع الملتصق بذيل الحمار ، دون اي إحتجاج او اعتراض . والشاة التي تنحرف ولو قليلاً عن مسار القطيع ، يُعاجلها الراعي بضربة غادرة قوية ب ( الخيزرانة ) ، حيث يستخدم الرعاة الخيزرانة لتأديب الشاردة من القطيع لانها تؤدب ، دون ان تكسر عظماً . وتكون النتيجة تأديب الشارد من القطيع دون أضرار كبيرة تحتاج لعلاج ، فمكان ضربة الخيزرانة يحمر جلد الشاة ، ولا يظهر أصلاً لانه مغطى بالصوف للشياه او الشَعر للماعز .

مع كل الأسف المراييع أعدادها محدودة جداً جداً جداً ، في عالم قطعان الماشية ، لأن كل قطيع لا يحتاج الا الى مرياع واحد او إثنين مهما وصل عدد القطيع ، حتى لو وصل عدد القطيع الى ( ٦٠٠ ) رأس من الأغنام والماعز . وأحياناً يخطط صاحب القطيع الى تربية مرياعين لانه يحتاج الى مرياع مع قطيع ( الرَغَثْ ) وقطيع ( الجَلَدْ ) . ولمن لا يعرف ف (الرغث ) هو قطيع الأغنام التي توالدت في ذلك الموسم ، وقطيع ( الجلد ) هو قطيع الأغنام التي لم تتوالد في ذلك العام .

أما المراييع البشرية أعدادها كثيرة وكبيرة وعظيمة . حيث ان الأمر عكسي ، فقد يحتاج الراعي البشري الواحد الى مئات بل ألوف المراييع البشرية .

ما أروع شكل المرياع الحيواني ، وما أعظم هيبته . وما أبشع وأحط المرياع البشري وما أرذل وأخسّ دوره .

وطني الحبيب حرام ان يكون بين رجالاته مراييع . وطني بحاجة الى إنبعاث (( وصفي التل )) روحاً ، وعطاءاً ، وإنتماءاً ، ورجولة ، وإستقامة ، وإدارة ، وممارسة للولاية العامة . وطني حتى ينهض من جديد بحاجة الى رجال مع تغييب دور المراييع . وطني بحاجة الى رجال يشبهون الصقور أنفة ، وأصالة ، وهيبة ، وعِزة نفس ، وشممٌ ، وإباء .

ما أكثر المراييع في بلدي الحبيب ، وما أكثر إستعراضاتهم عن طريق تصريحاتهم التي ( تغث ، وتغص ، وتغم ، وتعل ) البال . قبل عقود كان عدد المراييع في بلدي محدود جداً مشابه لعددها مع الشلايا ، حيث الشلية الواحدة تحتاج الى مرياع او مرياعين ، أما الآن اصبح الأمر معكوساً تماماً .

وطني الحبيب ليس بحاجة الى مراييع . وطني بحاجة الى رجال أشاوس تطل هيبته بمجرد ذِكر إسمه ، وتحترم قبل إطلال طلته الرجولية البهية .

Share This Article