صراحة نيوز-أ.د. بيتي السقرات/ الجامعة الأردنية
في الصحراء، حيث يمتزج العراء بالمحنة، مرّ فارس برجلٍ يتهاوى من شدة العطش والجوع. سقاه بيده، وأطعمه من زاده، ثم أركبه على فرسه وسار هو على قدميه ممسكًا باللجام. وما إن عاد للحياة أنفاسها في صدر الرجل حتى خان، وامتدت يده إلى اللجام ليهرب بالغنيمة وينكر المعروف.
صاح به الفارس: “يا أخا العرب، لا تخبر أحدًا بما فعلت.”
فأجابه المخادع باستهزاء: “أتخشى أن يقول الناس إنك سهل الانخداع؟”
فقال الفارس: “بل أخشى أن ينقطع المعروف بين الناس.”
لم يكن يخشى على نفسه، بل على روح الإنسانية أن تنكسر، وعلى خيط الثقة أن ينقطع. ففي لحظة غدر واحدة قد تُطفأ جذوة الخير في صدور الآخرين، ويُستبدل الصفاء بالحذر، والسخاء بالشك، والعطاء بالجمود.
لكن الخداع، وإن بدا ربحًا، ليس سوى وهم يتسرب في العروق كسمٍّ صامت. إنه لا يسلب ثقة فردٍ فحسب، بل يهزّ الميزان الذي تقوم عليه الجماعة. فإذا ضاع الصدق، ضاع الأمان، وإذا اهتز الأمان، تهاوت القلوب كأبراجٍ بُنيت على رمل. وحين يتسع الشرخ، يغدو كل إنسان غريبًا عن الآخر، يمد يده وهو مرتاب، ويتكلم ولسانه معقود بالخوف. عندها تفقد الكلمات بريقها، وتصبح الوعود أصواتًا جوفاء، فيغدو المجتمع ساحةً يسكنها الظلّ أكثر مما يسكنها النور.
ويتجلّى أثر الخداع في كل مجال من الحياة: في العمل، حين يزيّف أحدهم جهده لينال ترقية، فإنه لا يسرق منصبًا فقط، بل يهدم معنى العدالة ويزرع الغيرة والشك بين الزملاء. في العلاقات، حين ينكر شخص معروفًا أو يخون عهدًا، فإنه لا يخسر صديقًا فحسب، بل يجرّد الصداقة ذاتها من قيمتها، ويطفئ وهج الوفاء. وفي الحياة العامة، حين يتاجر البعض بالاحتياج زيفًا، فإنهم يغلقون أبواب الرحمة في وجه المحتاج الحقيقي، ويشوّهون صورة العطاء النقي، فتتحول مساعدة الآخرين إلى مقامرة، ويصبح العطاء عملة نادرة خوفًا من الغدر.
الصدق إذن ليس مجرد فضيلة شخصية، بل هو شرط الوجود المشترك، الغراء الذي يمسك نسيج المجتمع. أما الخداع، فهو كالشق في الزجاج؛ قد يبدو صغيرًا لكنه يتسع حتى يكسر اللوح كله.
اللهم اجعلنا من الذين يرون الحق نورًا يتبعونه، والباطل ظلامًا يجتنبونه. اللهم ازرع في قلوبنا صدقًا لا يتزعزع، وامنحنا شجاعة أن نكون أمناء على أنفسنا وعلى غيرنا، فإن الصدق حياة، والخداع موت يتخفّى في ثوب مكسب عابر.
الخداع مكسب لحظة، والصدق إرث عمر، بل هو جسر الإنسان نحو إنسانيته.