المجالي يكتب ؛ الواسطة… سرطان صامت في جسد الدولة، فمن يوقفه؟

2 د للقراءة
2 د للقراءة
المجالي يكتب ؛ الواسطة… سرطان صامت في جسد الدولة، فمن يوقفه؟

صراحة نيوز- ليست الواسطة سلوكًا اجتماعيًا عابرًا ولا “تدبير حال” كما يبررها البعض، بل سرطانًا صامتًا ينخر جسد الدولة من الداخل، يضرب مبدأ العدالة، ويقوّض الثقة بالمؤسسات، ويقتل الأمل في نفوس الكفاءات. فحين يشعر المواطن أن جهده لا يكفي، وأن شهادته لا تشفع، وأن النزاهة ترف، يتحول الظلم إلى واقع معتاد، ويصبح الاستحقاق استثناءً.
الواسطة لا تعمل في الظل فقط، بل تدخل أحيانًا من أوسع الأبواب عندما تضعف الرقابة، وتغيب المحاسبة، ويتحوّل القانون من مرجعية عامة إلى نص يُفسَّر وفق الأسماء والمصالح. الأخطر من ذلك هو تطبيعها اجتماعيًا وأخلاقيًا، وتغليفها بمسميات مخادعة مثل “مساعدة” و“معروف” و“فزعة”، فتُربّى الأجيال على قناعة خطيرة مفادها أن الطريق الأقصر للفرص لا يمر عبر الكفاءة، بل عبر الهاتف واللقب.
بهذا الشكل تقتل الواسطة روح المنافسة الشريفة، وتُقصي أصحاب الكفاءة، وتدفع بغير المؤهلين إلى مواقع القرار، فتتراكم الأخطاء، ويترهل الأداء، وتدفع الدولة الثمن مضاعفًا: فشلًا إداريًا، وتعثرًا تنمويًا، وتآكلًا في ثقة الناس. وما نراه من اختلالات في بعض القطاعات ليس إلا أحد أعراض هذا المرض المستشري.
أما السؤال الجوهري: من يوقف الواسطة؟
فالجواب لا يختصره قانون مكتوب ما لم يُطبَّق بعدالة، ولا مؤسسات تنجح إن لم تُحصَّن من التدخلات. من يوقفها قرار سياسي شجاع، وإدارة نزيهة، وقضاء مستقل، وإعلام مسؤول يفضح ولا يساوم، ومجتمع يرفض أن يكون شريكًا في الخطأ ولو كان مستفيدًا منه.
كما أن المواطن شريك أساسي في المواجهة؛ حين يرفض الواسطة حتى في مصلحته الخاصة، ويؤمن أن الحق لا يُؤخذ على حساب حقوق الآخرين، وأن الدول لا تُبنى بالمجاملات بل بالعدل.
الواسطة سرطان صامت، وتأجيل مواجهته ليس حلاً، بل تأجيل للألم… أما الشفاء، فلا يكون إلا بالمواجهة الصادقة والحازمة.
محمد مطلب المجالي -جامعة مؤته.

Share This Article