المزايدة يكتب: في ذكرى وفاة والدي يصبح الغياب عمرا

6 د للقراءة
6 د للقراءة
المزايدة يكتب: في ذكرى وفاة والدي يصبح الغياب عمرا

صراحة نيوز-نضال المزايدة

في ذكرى وفاة والدي… (( فلاح ذيب المزايدة ))حين يصبح الغياب عمرًا كاملًا
تمرّ الذكرى، ولا تمرّ.
يأتي التاريخ ذاته كل عام، 3/1/2003 كأنه يعرف طريقه إلى قلبي دون استئذان، يطرق الوجع نفسه، ويفتح الأبواب التي حاولتُ طيلة العام أن أوهم نفسي بأنها أُغلقت. في ذكرى وفاة والدي، لا أستعيد حدثًا مضى، بل أستعيد حياة كاملة انكسرت في لحظة، وما زالت شظاياها تسكنني إلى اليوم.
سنوات طويلة مرّت منذ رحيلك يا أبي، لكن الزمن أخطأ الحساب. ظنّ أن كثرة الأيام كفيلة بأن تُخفف الفقد، ولم يدرك أن بعض الغياب لا يُقاس بالسنين، بل بالاحتياج. فأنا لم أفتقدك لأنك متَّ، بل لأن الحياة استمرّت بعدك، وكل مرحلةٍ فيها كانت تحتاجك أكثر.
رحلتَ، وبقي السؤال الكبير: كيف يعيش الإنسان بلا ظهر؟
كيف يواصل الطريق وقد فقد السند الذي كان يختصر عليه التعب؟
بعدك، تعلّمتُ أن أقف طويلًا وحدي، أن أواجه العالم بوجهٍ جامد وقلبٍ هش، أن أكون قويًا لأن الضعف لم يعد خيارًا. لم أكن شجاعًا يا أبي، كنتُ مضطرًا فقط.
أبي،
لم يكن حضورك صوتًا عاليًا ولا أوامر صارمة، كان أمانًا.
كان شعورًا داخليًا بأن الأمور ستكون بخير لمجرد أنك موجود.
وحين غبت، غاب ذلك الشعور دفعة واحدة، وكأن الحياة سُحبت من تحت قدميّ دون إنذار.
كبرتُ بعدها… أو هكذا ظنّ الجميع.
أما أنا، فبقيتُ عالقًا عند تلك اللحظة الأولى للفقد،
اللحظة التي تغيّر فيها كل شيء،
وتعلّمتُ فيها أن أبتلع دموعي،
وأن أمارس الصبر كواجب لا كفضيلة.
افتقدتك في تفاصيل لا ينتبه لها أحد:
في أوّل نجاح تمنّيت لو تضع يدك على كتفي،
في أوّل سقوط احتجتُ صوتك ليقول: «انهض، ما زال فيك متّسع».
افتقدتك في قرارات مصيرية،
وفي ليالٍ طويلة كنتُ فيها أحاور نفسي بدلًا عنك.
مرت الأعوام، وتراكمت المسؤوليات،
وأصبحتُ الرجل الذي كان الناس يقولون عنه: “يشبه والده”.
كانوا يرون الشبه في الملامح،
وأنا كنتُ أراه في الحمل الثقيل،
في الصمت،
في التحمل،
وفي القدرة على الاستمرار رغم التعب.
أبي،
لم أعتد غيابك،
ولن أفعل.
كل ما فعلته هو أنني تعلمتُ كيف أعيش معه.
تعلّمتُ أن أضع اسمك في دعائي قبل اسمي،
وأن أزور ذكراك كلما خذلتني الدنيا،
وأن أستمد منك القوة حتى وأنت في عالم آخر.
في ذكرى وفاتك، لا أبكيك كما يبكي الناس موتاهم،
بل أبكي نفسي التي كبرت دونك،
وأيامي التي مضت وهي تفتقدك،
وأحلامًا كثيرة كان يجب أن تشهدها ولم تفعل.
أعرف أنك رحلت بجسدك،
لكنّك باقٍ فيّ،
في كل موقف صعب تجاوزته،
وفي كل مرة اخترتُ فيها الصبر بدل الانكسار.
أعرف أن الله أرحم بك منا،
لكن القلب… القلب لا يعرف المنطق حين يتعلّق الأمر بالأب.
رحمك الله يا أبي رحمةً واسعة،
رحمةً تليق بتعبك،
وبصمتك،
وبسنين الشقاء التي عشتها لتجعلنا أقوى.
وجعل قبرك نورًا وسكينة،
وجعل لقاءنا بك حقًا لا شك فيه.
في ذكرى وفاتك، أقولها بصدقٍ موجع:
لم يمضِ عليك يوم،
بل مضى عليّ عمري كله
وأنا أفتقدك.
23 عاماً على الرحيل
الذكرى تتجدد، والشوق لا يهدأ
يا أبي الحبيب، يا نور العين، يا من رحلت عن دنيانا وكنت لها السند والعضيد، مرّت ثلاث وعشرون عاماً على رحيلك، وكأن فراقك لم يكن إلا بالأمس القريب، فما زالت آثارك في كل زاوية من بيتنا، وفي كل زاوية من قلوبنا، وما زال صوتك يتردد في مسامعنا، ووجهك الباسم لا يغيب عن خيالنا، وفقدك ترك فينا حزناً لا يصفه كلام، ولا تطفئه دموع، ولا تمحوه السنين…
يا أبي، أنت لست مجرد ذكرى عابرة، بل أنت كيان الحياة الذي رحل، وكنت لنا وطنًا كبيرًا، وجنة تفيض بالحب والعطاء، علمتنا كيف نكون أقوياء، وكيف نحب الآخرين، وكيف نخدمهم ونبتغي رضا الله، علمتنا معنى صلة الرحم، وأهمية بر الوالدين، وقيمة العمل الصالح، وتركت لنا إرثًا لا يقدر بثمن: سمعتك الطيبة بين الناس، ومحبتهم الصادقة لك، ودعواتهم التي لا تنقطع لك في ظهر الغيب.
في كل عام، تتجدد ذكرى رحيلك، وتتجدد معها الآلام، وتتجدد معها الدعوات، اللهم ارحم أبي رحمة واسعة، واغفر له، وأسكنه فسيح جناتك، واجعله من الضاحكين المستبشرين بالجنة، اللهم اجعل قبره روضة من رياض الجنة، وانس وحشته، وأبدله داراً خيراً من داره، وأهلاً خيراً من أهله.
لقد أيقنت بعد رحيلك أن فراق الأب هو أشد أنواع الفواجع، وأن حزن الأب لا يموت، بل يبقى جمرة تتوقد في القلب، ولكننا نستمد من ذكراك القوة، ونواصل السير على طريق الخير الذي رسمته لنا، ونعاهدك أن نبقى على عهدك، وأن نحمل راية المحبة والخير التي زرعتها فينا، ونحتسبك عند الله، ونقول كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إنا لله وإنا إليه راجعون”.
رحمك الله يا أبي، يا أغلى الناس، يا قطعة من قلبي، ستبقى دائمًا في قلبي، وفي ذاكرتي، وفي دعائي، حتى نلتقي بك في جنات النعيم، يا رب العالمين.

نضال المزايدة

Share This Article