صراحة نيوز – كتب: العميد حسن فهد أبو زيد
في ظل غياب أدوار مجلس الأمن الدولي، ومنظمة الأمم المتحدة، ومحكمة العدل العليا، وكل المنظمات والمؤتمرات والمجالس والجامعات العربية والإسلامية على حد سواء، بل وعدم مقدرة هذه الجهات على تنفيذ قراراتها بجدية على أرض الواقع، وبحيث تكون على مسافة واحدة من الجميع من خلال معيار واحد أساسه العدالة والحرية للجميع بنفس المعيار، كل ذلك ساهم ويساهم في ظل هذا الغياب للعدالة على هذا الكوكب، مما أوجد هذه البلطجة ونظام القطب الواحد، والذي اعتمد على القوة والمال معًا في تنفيذ هذه «السياسة البلطجية» إن جاز لي التعبير أن أسميها، والتي تستخدمها أمريكا وحليفتها دولة الاحتلال، وبأسلوب فوقي في التعامل مع دول العالم.
في ظل هذا الوضع، لا بدّ للعالم أن يتحرك وبكل قوة، من خلال تفعيل وتدخل هذه المنظمات والمجالس والقوى الدولية والعربية والإسلامية، لمواجهة هذا الأخطبوط الأمريكي والمتعاون مع دولة الاحتلال المارقة، والتي ضربت بعرض الحائط بكل القوانين والأعراف الدولية وقرارات الأمم المتحدة.
لذلك، ومن هنا، لا يمكن الحديث عن سيادة دولة حقيقية في عالم تحكمه شريعة الغاب من خلال استخدام القوة.
فعندما تتحول القرارات الدولية إلى حبر على ورق، وتُستحضر فقط عندما تخدم مصالح القوى الكبرى، وتُدفن عندما تمسّ حلفاءها، فإن الدول الضعيفة، أو تلك التي تُترك وحيدة بلا مظلة حماية قانونية دولية عادلة، تصبح ساحة مفتوحة للتدخل وانتهاك سيادتها، والابتزاز السياسي والاقتصادي، بل وحتى العسكري، تحت عناوين زائفة كـ«نشر الديمقراطية» أو «حماية الأمن القومي»، أو بحجج أخرى مثل المخدرات أو السيطرة على الثروات والموارد النفطية، (فنزويلا نموذجًا؟).
لقد أثبتت التجربة أن البلطجة الأمريكية لم تعد سلوكًا طارئًا، بل نهجًا ثابتًا في إدارة النظام الدولي، يقوم على فرض الإرادة بالقوة، واستخدام العقوبات كسلاح جماعي لمعاقبة الشعوب قبل الأنظمة، وتطويع المؤسسات الدولية الرقابية لتكون أداة تنفيذ لا جهة تحكيم. وهذا ما أفقد مفهوم السيادة معناه الحقيقي.
أما التحالف الأمريكي مع دولة الاحتلال، فهو النموذج الأوضح لازدواجية المعايير، حيث تُشرعن الجرائم، وتُغضّ الأبصار عن المجازر، ويُمنح القاتل حصانة مطلقة، بينما يُجرَّم الضحية إن طالب بحقه. وهنا تسقط العدالة الدولية سقوطًا مدويًا، وتتحول القوانين الدولية إلى وسيلة انتقائية تُستخدم ضد الضعفاء فقط.
من هنا، فإن استعادة مفهوم السيادة يبدأ أولًا بكسر احتكار القطب الواحد، وإعادة الاعتبار لدور القانون الدولي، وبناء موقف دولي جماعي، عربي وإسلامي تحديدًا، لا يكتفي ببيانات الشجب والاستنكار، بل ينتقل إلى الفعل السياسي والاقتصادي والقانوني المنظم، دفاعًا عن الكرامة الوطنية وحق الشعوب في تقرير مصيرها. وبناءً عليه، على هذه المجالس، وعلى رأسها مجلس الأمن الدولي، أن يكون في حالة انعقاد دائم عندما يحدث أي اختراق لسيادة الدول أو الاعتداء عليها، لا أن ينتظر الدعوة للانعقاد من خلال الدولة التي وقع عليها الاعتداء أو من بعض الدول الأخرى.
ومن هنا، لا سيادة لدول تُدار بالوصاية، ولا كرامة لأمم تخشى قول الحق، ولا مستقبل لنظام دولي تُدار مفاصله بعقلية البلطجة والتجاوز على القوانين الدولية والسيادة. فالسيادة، في نهاية المطاف، لا تُمنح، بل تُنتزع حين تمتلك الدول إرادة القرار، ووحدة الموقف، وأدوات القوة السياسية والاقتصادية والمعرفية، وهنا لا بدّ أيضًا أن تكون العلاقة بين الشعوب والقيادات في تلك الدول علاقة قوية ووثيقة، مبنية على الحق والعدالة الاجتماعية، وتوفير سبل العيش الكريم.

