القصف العشوائي للبيئة

3 د للقراءة
3 د للقراءة
القصف العشوائي للبيئة

صراحة نيوز- بقلم: جهاد مساعده
لم يعد من الدقيق توصيف رمي النفايات من نوافذ السيارات أو من شرفات العمارات، أو إلقاء أعقاب السجائر والأكواب في الشوارع، بوصفه مجرد “سلوك خاطئ” أو “تصرف فردي”. فاستمرار هذه الممارسات وتكرارها في الفضاء العام يشير إلى إشكالية أعمق تتعلق بثقافة الاستخدام، وحدود المسؤولية، وفهم العلاقة بين الفرد والمكان المشترك.
إن الشخص الذي يرمي كيس قمامته من نافذة سيارته لا يخطئ الطريق بقدر ما يعكس تصورًا يعتبر الشارع مساحة بلا قيمة أو صاحب. وهو تصور يتغذى على فصلٍ غير صحي بين الحقوق والواجبات، حيث تُطالَب الدولة بالنظافة والنظام، بينما يُستثنى الفرد من الالتزام اليومي البسيط الذي يُشكّل أساس السلوك المدني.
وبالمثل، فإن إلقاء القمامة من شرفات المنازل يكشف عن تقسيم غير معلن للمكان: داخلٌ يُصان ويُحترم، وخارجٌ يُهمل ويُترك دون اكتراث. هذا السلوك لا يرتبط بقلة الذوق بقدر ما يعكس غياب الإحساس بالمسؤولية الجماعية، وسوء فهم لمعنى الملكية العامة بوصفها حقًا مشتركًا وواجبًا متبادلًا.
ولا يمكن إغفال خطورة رمي أعقاب السجائر المشتعلة من نوافذ المركبات، لما يحمله ذلك من مخاطر بيئية حقيقية قد تتسبب في حرائق تمسّ الأشجار والممتلكات والبيئة الطبيعية. كما أن رمي الأكواب الورقية أو البلاستيكية بعد الانتهاء من استخدامها يعكس نمطًا استهلاكيًا يتعامل مع المكان بمنطق الاستخدام المؤقت، دون اعتبار للأثر المتراكم على المشهد الحضري والصحة العامة.
غير أن المسؤولية لا تقع على الأفراد وحدهم، بل تمتد إلى المجتمع الذي يشاهد هذه السلوكيات ويتعامل معها بصمت أو تبرير. فالتغاضي عن الخطأ اليومي يساهم في تطبيعه وتحويله إلى ممارسة مألوفة، ويُضعف ثقافة المساءلة الاجتماعية التي تُعدّ ركيزة أساسية في أي مجتمع منظم.
إن التناقض بين المطالبة بقوانين صارمة ومؤسسات فاعلة، وبين الاستهانة بالتفاصيل السلوكية اليومية، يفضي بالضرورة إلى مساحات عامة متدهورة، ويقوّض الجهود الرسمية الرامية إلى تحسين الواقع البيئي والحضري.
وعليه، فإن القصف العشوائي للنفايات ليس قضية نظافة فحسب، بل قضية قيم ومواطنة. فهو اختبار عملي لفهمنا لمعنى العيش المشترك، وحدود الحرية الفردية، ودور كل فرد في صون المكان العام. فالشارع امتداد للبيت، والمساحة العامة مرآة للسلوك الفردي والجماعي معًا.
ولا يمكن معالجة هذا الخلل عبر الشعارات أو تبادل اللوم، بل من خلال ترسيخ وعي واضح بأن احترام المكان مسؤولية مشتركة، تبدأ من الفرد وتتكامل مع دور المؤسسات، وأن الصمت عن الخطأ لا يُعد حيادًا، بل تفويتًا لفرصة التصحيح.
فالمجتمع الذي لا يحترم تفاصيله الصغيرة، لا يملك الحق في الشكوى من أزماته الكبيرة.

Share This Article