من جديد الضمان الاجتماعي وجع ساعة… ولا وجع كل ساعة؟

8 د للقراءة
8 د للقراءة
من جديد الضمان الاجتماعي وجع ساعة… ولا وجع كل ساعة؟

صراحة نيوز- اعداد : د ايمان الكساسبة

في لحظة تتجه فيها أنظار الرأي العام إلى قضايا موسمية ككأس العرب اوإثارات إعلامية عابرة مرّت الدراسة الاكتوارية للضمان الاجتماعي بهدوء تام ولا ينسجم مطلقاً مع خطورتها فهي ليست تقريراً فنياً قابلاً للأرشفة بل وثيقة مصيرية تمس مستقبل منظومة تشكّل صمام أمان اجتماعي لملايين الأردنيين. التجارب من حولنا لا تحتاج كثير شرح صناديق تقاعد انهارت لأنها تجاهلت الأرقام في بداياتها ثم اضطرت لاحقاً لاتخاذ قرارات قاسية تحت ضغط الوقت والشارع والفراغ المالي عندها لا يكون النقاش حول الأفضل بل حول الأقل ألماً وهذه بالضبط اللحظة التي يجب ألا نصل إليها
المشكلة اليوم ليست في وجود إجراءات موجعة هذا أمر شبه حتمي في أي إصلاح حقيقي المشكلة في التوقيت في إصلاح مبكر ومدروس قد يؤلم قليلاً ثم يختفي أثره بعد حين تأجيل مريح ظاهرياً يفتح باباً لوجع دائم لا ينتهي يدفع ثمنه من لم يشارك في القرار أصلاً ومن هنا يبرز السؤال المركزي الذي يجب أن يقود النقاش الوطني كيف يمكن تأجيل نقطة التعادل أولاً إلى عام 2035 ثم إلى 2045 دون المساس بحقوق المشتركين أو استقرار المؤسسة التي يفترض أن تحميهم عند الشيخوخة لا أن تفاجئهم
الإجابة لا تكمن في إجراء واحد ولا في تحميل طرف واحد الكلفة بل في حزمة إصلاحات متكاملة تبدأ من توسيع قاعدة المشتركين ولا تنتهي عند إعادة تعريف التقاعد وتغيير فلسفة الاستثمار وإصلاح الحوكمة
تأجيل نقطة التعادل لا يتحقق بالإدارة الاستثمارية وحدها بل بتوسيع القاعدة الدافعة. فصندوق تقل فيه أعداد المشتركين لا تنقذه أعلى العوائد. وعليه يصبح إدخال ما لا يقل عن عشرين ألف مشترك جديد سنوياً ضرورة لا خياراً خارج إطار الالتزام الحكومي والقطاع الخاص التقليدي. ويشمل ذلك كباتن التطبيقات الذكية الذين يُقدّر عددهم بنحو اثني عشر ألف عامل وهم فئة منتجة ذات دخل منتظم ويمكن شمولهم عبر تشريعات مرنة ونسب اشتراك تصاعدية. ويشمل كذلك الأردنيين العاملين خارج المملكة ويبيتون داخلها ويُقدّر عددهم بنحو ثلاثة آلاف وهي فئة مستقرة الدخل لكنها شبه مغفلة تشريعياً. كما يشمل سائقو الشاحنات غير المنتظمين ضمن شركات ويمكن شمولهم عبر اشتراك مرتبط بالتصاريح أو الرخص
ولا بد أيضاً من التوجه الجاد نحو شمول العاملين لحسابهم الخاص والعاملين في الاقتصاد المنزلي والرقمي والمزارعين الموسميين والعاملين بعقود قصيرة ومتقطعة وعمّال المناطق الحدودية والموانئ والخدمات اللوجستية وتشجيع العاملين في الخارج. فهذه الفئات تشكّل اقتصاداً حقيقياً خارج المظلة الرسمية وإدخالها ليس عبئاً بل فرصة إنقاذ.
وفي هذا السياق يجب التأكيد على أن الاشتراكات ذات الطبيعة الخاصة التي تخضع لشروط ومعايير مختلفة عن النمط التقليدي ينبغي أن تُدار بمقاربات اكتوارية مستقلة تراعي خصوصيتها المهنية ومتطلبات الخدمة المرتبطة بها بحيث لا تؤثر هذه الاشتراكات على الاشتراك التقليدي ولا تتأثر به. هذا الفصل الاكتواري يحمي التوازن العام للنظام ويضمن استدامة مالية عادلة.
إلى جانب رفع سن التقاعد تدريجياً ليصل إلى ستين ثم خمس وستين عاماً وربط التقاعد المبكر بكلفة اكتوارية حقيقية يبرز أيضاً رفع محدود ومدروس على نسب الاشتراكات بمقدار 1.75 يتحمل منها المشترك 0.25 فقط فيما يتحمل صاحب العمل النسبة المتبقية. ويأتي هذا التعديل متواضعاً إذا ما قورن بتجارب دولية وعربية عديدة حيث تُعد نسب الاشتراك أعلى بكثير سواء في دول أوروبية متقدمة مثل النرويج وألمانيا وفرنسا وإيطاليا أو في دول عربية تعتمد أنظمة تأمينية أكثر كلفة على أطرافها مثل مصر وتونس والمغرب وبعض دول الخليج. وبالمقارنة مع تلك النماذج فإن الرفع المقترح يظل محدود الأثر على الأجور ويراعي العدالة الاجتماعية ويحقق أثراً مالياً تراكمياً مهماً يسهم في تعزيز الاستدامة المالية دون إحداث صدمة للأجور أو مساس بمستوى المعيشة
ومن الضروري أيضاً وقف التقاعد المبكر كقاعدة لأنه أصبح أمراً عادياً لا استثنائياً. فالتقاعد المبكر لم يعد حلاً استثنائياً للأزمات أو للتعب المهني بل تحول إلى مخرج معتاد يفرغ الصندوق من موارده قبل الأوان ويهدر جهداً ومالاً كان يمكن أن يعزز الاستدامة المالية. أي نظام يعتاد على التقاعد المبكر يفقد توازنه تدريجياً ويصبح كل إصلاح بعد ذلك أشبه بمحاولة ملء حفرة كبيرة بالماء بواسطة ملعقة
وفي سياق تعزيز الأدوات المالية للمؤسسة وتحسين العائد الاجتماعي يمكن أيضاً منح المؤسسة صلاحية تقديم قروض متوسطة الأجل للمتقاعدين بشروط واضحة وضوابط صارمة وبفوائد أقل من البنوك. ويستند هذا المقترح إلى أن دخل المتقاعد مضمون ومنتظم ما يقلل من مخاطر التعثر ويتيح للمؤسسة تحقيق عائد مالي إضافي مستقر. كما أن هذا الإجراء يحافظ على التوازن المالي طويل الأمد ويخفف الأعباء المعيشية عن المتقاعدين دون التأثير على الاشتراك التقليدي أو كلفة النظام الكلي
وبالإضافة لذلك فإن الأرقام المتصاعدة لمديونية الحكومة لصالح صندوق استثمار أموال الضمان الاجتماعي والتي بلغت قرابة 9.5 مليار دينار ليست مجرد أرقام في ميزانية الدولة بل تمثل مخزون الأمان والمدخرات العمرية لمئات الآلاف من المتقاعدين والمشتركين ومع استحواذ الحكومة على نحو 44 % من ديون المركزية من أموال الصندوق يبرز تساؤل جوهري حول الاستدامة إذ إن حصر هذه المدخرات في سندات خزينة لسد عجز الموازنة يربط مصير حقوق المتقاعدين بشكل عضوي بالوضع المالي للحكومة وقدرتها على الاقتراض المستقبلي لذا فإن حماية هذه الحقوق تتطلب اليوم انتقالاً شجاعاً بالسياسة الاستثمارية من دور الممول للحكومة إلى المالك للأصول إن استثمار هذه المليارات في مشاريع استراتيجية كشركات التعدين والشركات التقنيه والناقل الوطني للطاقة والمياه يضمن تحويل أموال المتقاعدين إلى أصول إنتاجية حقيقية تولد عوائد تشغيلية مستقلة مما يوفر صمام أمان يحمي الرواتب التقاعدية من تقلبات الدين العام ومخاطر التضخم ويضمن للأجيال القادمة أن مدخراتهم تُبنى بها نهضة الوطن لا أن تُستهلك في سد ثغرات ميزانيته
أما على صعيد الاستثمار فقد أثبتت التجربة أن الأمان الظاهري ليس دائماً أماناً حقيقياً. فإقراض الحكومة وشراء السندات الحكومية يحقق استقراراً قصير الأمد لكنه يراكم مخاطر طويلة الأمد ويقيد القرار الاستثماري. كما أن الاستثمار العقاري والسياحي أثبت ضعف العائد وسوء الإدارة في أكثر من محطة ما يستدعي الخروج التدريجي منهما
البديل يتمثل في الشراكة الحقيقية مع القطاع الخاص بحيث لا تزيد حصة المؤسسة عن أربعين بالمئة مقابل ستين بالمئة للقطاع الخاص بما يقلل المخاطر ويعزز الحوكمة ويضمن إدارة أكثر كفاءة. ولتعظيم الأثر وتقليل هامش الخطأ يمكن اعتماد نموذج صندوق التقاعد الحكومي النرويجي كنموذج مرجعي مُقلَّد لا مُبتكَر باعتباره أحد أنجح الصناديق السيادية عالمياً من حيث الحوكمة والانضباط الاستثماري. ويتيح هذا النهج الاستفادة من فلسفة استثمارية مجرّبة ودراسات جاهزة وخبرات استشارية عالمية بما يخفف كلف القرار ويحد من المخاطر ويمنح الكوادر الاستثمارية مساحة مهنية أوسع لاتخاذ القرار بعيداً عن الخوف أو التدخلات
ولا يمكن الحديث عن استدامة مالية دون استقلال القرار. وعليه يجب وقف انتداب الموظفين من جهات حكومية أخرى وحصر التوظيف بأوائل الجامعات والكليات وإطلاق برنامج وطني لمنح أوائل المملكة منتهٍ بالتوظيف أسوة بتجربة البنك المركزي. كما يجب إعادة تشكيل مجلس الاستثمار وفق معايير صارمة للكفاءة والخبرة ومنع التدخلات والضغوط الحكومية وعدم جواز أن يكون رئيس مجلس الإدارة وزيراً عاملاً ضماناً للاستقلالية
فتأجيل نقطة التعادل ليس قراراً محاسبياً بل مشروع دولة يقوم على توسيع القاعدة وإطالة أمد الاشتراك وكسر التبعية للحكومة وإدارة استثمارية جريئة ومحكومة بهذا المسار فقط يمكن الحديث بواقعية عن 2035 ثم 2045 دون المساس بحقوق المشتركين ودون تحميل الأجيال القادمة كلفة صمتنا اليوم
فالخيار واضح وجع ساعة الان………….
ولا وجع كل ساعة بعدين

اعداد ايمان الكساسبة

Share This Article