من مقديشو إلى غزة وبغداد… حين تسقط أسطورة القوة أمام إرادة الشعوب

4 د للقراءة
4 د للقراءة
من مقديشو إلى غزة وبغداد… حين تسقط أسطورة القوة أمام إرادة الشعوب

صراحة نيوزالمحامي زهير الرواشدة

ليست معركة مقديشو عام 1993 حدثاً معزولاً في التاريخ العسكري الأمريكي، بل محطة كاشفة لحقيقةٍ حاولت واشنطن طمسها طويلاً: القوة العسكرية مهما بلغت، تعجز أمام شعب قرر الدفاع عن أرضه.

في تلك السنة، أطلقت الولايات المتحدة عملية عسكرية خاطفة في العاصمة الصومالية، هدفت إلى اعتقال الزعيم محمد فرح عيديد، معتمدة على نخبة قواتها: «دلتا فورس»، «سيلز»، وفوج طيران العمليات الخاصة 160. كانت الخطة مبنية على وهم التفوق الجوي والاستخباري، وعلى افتراض أن الصدمة والرعب كفيلان بإخضاع مدينة بأكملها.

لكن ما جرى في شوارع مقديشو كان العكس تماماً.

مقديشو 1993: الانكسار الأول للهيبة الأمريكية

في ساعات قليلة، تحولت مروحيات البلاك هوك — رمز السيطرة الجوية الأمريكية — إلى حطام محترق، وأسقطها مقاتلون محليون بأسلحة بسيطة. فشلت الخطة، حوصرت القوات الخاصة، وسُحل قتلى الجيش الأمريكي في شوارع العاصمة في مشهد هزّ صورة الولايات المتحدة عالمياً، وأجبرها لاحقاً على الانسحاب.

لم تكن الهزيمة عسكرية فحسب، بل هزيمة نفسية واستراتيجية، دفعت واشنطن إلى إعادة النظر في عقيدتها القتالية، خصوصاً في مواجهة حروب المدن والمقاومة الشعبية.

العراق: كسر المشروع الأمريكي بالقوة الشعبية

بعد عقد من الزمن، تجاهلت الولايات المتحدة درس مقديشو، واندفعت لغزو العراق عام 2003، متوهمة أن إسقاط الدولة يعني إخضاع الشعب. لكن ما واجهته كان مقاومة عراقية وطنية أعادت إنتاج درس الصومال، ولكن على نطاق أوسع وأكثر إيلاماً.

فقد:
• فشلت القوات الأمريكية في فرض الأمن رغم التفوق المطلق.
• تحولت المدن العراقية إلى ساحات استنزاف يومي.
• تآكلت هيبة الجيش الأمريكي تحت ضربات الكمائن والعبوات محلية الصنع.
• اضطرت واشنطن إلى تغيير استراتيجياتها مراراً، ثم الإعلان عن الانسحاب، بعد خسائر بشرية ومادية هائلة.

لقد أثبتت المقاومة العراقية أن الاحتلال لا يُهزم بالبيانات ولا بالمفاوضات وحدها، بل بإرادة شعبية منظمة تعرف أرضها وتستنزف عدوها حتى يفقد القدرة على الاستمرار.

غزة اليوم: تكرار التاريخ بلغة أكثر وحشية

ما يجري في غزة ليس استثناءً، بل حلقة جديدة في سلسلة الهزائم الاستراتيجية للقوى المتغطرسة.
فكما فشلت الاستخبارات الأمريكية في مقديشو وبغداد، فشلت استخبارات الاحتلال في غزة، رغم الدعم الدولي والتقني غير المسبوق.

ويظهر ما يسمى “التفوق العسكري” فقط في:
• استهداف المدنيين.
• تدمير البنية التحتية.
• ارتكاب المجازر الجماعية.

لكن عند المواجهة المباشرة، تتكشف الحقيقة: عجز ميداني، ارتباك قيادي، وخسائر متراكمة.

وحدة الساحات… ووحدة الدرس

من مقديشو، إلى بغداد، إلى غزة، تتكرر الحقيقة ذاتها:
• الأرض تعرف أبناءها.
• السلاح البسيط حين تحمله عقيدة صلبة يهزم أحدث التكنولوجيا.
• الاحتلال قد ينتصر في معركة، لكنه يخسر الحرب.

الخلاصة

إن التاريخ الحديث يثبت أن هيبة القوة العسكرية الغربية والصهيونية ليست قدراً محتوماً، بل بناء هش ينهار عند أول اختبار حقيقي مع شعب قرر ألا يركع.

كما كانت مقديشو فضيحة كبرى للولايات المتحدة، وكما تحولت العراق إلى مستنقع استنزف المشروع الأمريكي، تقف غزة اليوم شاهدة على أن زمن الحسم السريع انتهى، وأن إرادة الشعوب هي الكلمة الفصل.

وما بين هذه المحطات، يبقى الدرس واحداً:
الأوطان لا تُحتل إلى الأبد، والمقاومة — مهما حوصرت — هي فعل التاريخ الذي لا يُهزم

Share This Article