1996 عندما انقلبت إسرائيل على أوسلو

5 د للقراءة
5 د للقراءة
1996 عندما انقلبت إسرائيل على أوسلو

صراحة نيوز- بقلم / سائد كراجة

في عام 1996، قُدِّمت إلى نتنياهو ورقة استراتيجية بعنوان A Clean Break: A New Strategy for Securing the Realm، أعدّها فريق بحثي بإشراف ريتشارد بيرل ضمن معهد IASPS العامل بين واشنطن والقدس. لم تُعتمد الورقة كسياسة رسمية للحكومة الإسرائيلية ولم يُعلن نتنياهو تبنّيها، لكنها مثّلت منهج حكومته الفعلي، وهي تُقرأ اليوم واقعًا عمليًا مطبَّقًا على الأرض.

حدّدت ورقة  Clean Break ثلاث ركائز استراتيجية شكّلت انقلابًا في السياسة الإسرائيلية: القطيعة مع مسار أوسلو ومنهج «الأرض مقابل السلام»، إعادة تعريف السلام بوصفه سلامًا بالقوة والردع لا بالمفاوضات، وتعظيم حرية القرار الإسرائيلي عبر خفض الاعتماد على الولايات المتحدة، بما يسمح بإدارة الصراع وفق تصور مستقل لمفهوم «أمن المجال» الإسرائيلي.
هنا يتضح كيف استغلّت إسرائيل بوعيٍ منهجي ما سُمّي بعملية السلام، أي «المرحلة الانتقالية»، فحوّلتها من مسار تفاوضي للوصول إلى السلام إلى أداة لإدارة الوقت، تسمح بتغيير الواقع القانوني والجغرافي تدريجيًا دون إعلان قطيعة رسمية، وهو جوهر الانقلاب على أوسلو.
في الضفة الغربية، اتخذ تطبيق منهج الورقة طابعًا قانونيًا منظّمًا لا مجرد توسّع ميداني. دفعت إسرائيل نحو إعادة تعريف الضفة بوصفها «يهودا والسامرة»، ووسّعت نطاق القوانين الإسرائيلية على المستوطنات عمليًا، تمهيدًا لضمّ زاحف دون إعلان رسمي. جرى توسيع مناطق «ج» فعليًا، وتشريع البؤر الاستيطانية، وإعلان مساحات واسعة «أراضي دولة»، مع سنّ قوانين وقرارات حكومية ترفض صراحة قيام دولة فلسطينية. من خلال هذه الإجراءات، تم سدّ الأفق القانوني والسيادي لأي كيان فلسطيني مستقبلي، وتحولت الضفة الغربية إلى منطقة تُدار بسياسات استثنائية وقوانين أحادية. وقد تم افشال السلطة الفلسطينية بشكل ممنهج لتسقط عنها صفة تمثيل الشعب الفلسطيني عمليا.
في قطاع غزة، كان التطبيق أكثر حدّة. حيث تعاملت إسرائيل مع غزة كحيّز ردع دائم، لا كساحة حل سياسي. الحصار وجولات القصف ومعادلات «الهدوء مقابل الهدوء» ليست إجراءات طارئة، بل سياسة ثابتة. من هذا المنظور، لا يُفهم ما جرى في 7 أكتوبر كمسار جديد، بل كفتيل داخل حسابات قائمة لإدارة الصراع بالقوة والبطش. الرد الإسرائيلي استهدف كسر جدوى المقاومة في الوعي الفلسطيني، وربما العربي، عبر ردع شامل بلا أفق تفاوضي.
إقليميًا، دعت ورقة Clean Break إلى إضعاف سورية وكسر دورها الإقليمي، وإعادة تعريف الصراع في لبنان بوصفه امتدادًا لها. كما أشارت بوضوح إلى العراق كساحة يجب إعادة هندستها لقطع العمق الاستراتيجي لسوريا، وتوسيع هامش الحركة الإسرائيلية وفق منطق فرض الوقائع لا التسوية.
أما الأردن، فظلّ يُنظر إليه إسرائيليًا كعامل استقرار بالمنطق يجب الحفاظ عليه من زاوية أمن الحدود واستمرارية الترتيبات القائمة، لا كشريك متكافئ في صياغة الحل. ومع الوقت، برز تصور صهيوني يتعامل مع الأردن كمساحة لحل معضلة التفوق الديموغرافي الفلسطيني في أرض فلسطين التاريخية على حساب الأردن، مما حوّل السلام البارد القائم إلى حالة صراع بارد دون نقض اتفاقيات السلام المبرمة بينهما.
عندما كُتبت ورقة Clean Break، بدت للبعض تصورًا نظريًا متشدّدًا. اليوم، نعيش واقعها. فرض الوقائع صار ممارسة يومية، وإدارة الصراع بالقوة أصبحت السياسة الإسرائيلية الثابتة. ومع هذا الانقلاب الواضح فقد استمر القصور العربي في فهم طبيعة الانقلاب الذي حصل إسرائيليًا وصهيونيًا، والتمسّك بأدوات تحليل قديمة رأت في مسار السلام تعثّرًا قابلًا للإصلاح.
بعد ثلاثة عقود، لم تعد الأسئلة الاستراتيجية ترفًا. إسرائيل والولايات المتحدة تدفعان الإقليم إلى أدوار محددة: حراسة حدود، تطبيع هيمنة، واختزال الحقوق الفلسطينية إلى ملف سكاني يُدار لا قضية تُحل. وبهذا لم يعد السؤال ماذا تريد إسرائيل — فهو واضح— بل: هل يقبل العرب بهذا المسار، أم يبحثون عن بديل؟
خلاصة القول: يتطلّب العقل السياسي العربي، والأردني خصوصًا، استرجاع الأساس المفاهيمي للصهيونية بوصفها حركة استعمار استيطاني، لا مجرد مشروع دولة. فإن كانت فلسطين قاعدتها الجغرافية، فإن الوطن العربي بثرواته ومقدّراته هو مجالها التوسّعي. وبذلك، فإن مواجهة هذا المنطق لا تكون بالعودة إلى أوهام التسوية، بل ببناء مشروع عربي يُحدِث قطيعة مع عقلية سايكس–بيكو، ويقيم توازنًا استراتيجيا مع القوة العالمية، شرقًا وغربًا، عبر معادلة المصالح المتبادلة وليس الارتهان السياسي والاقتصادي.
وحتى يلمّ العالم العربي شتاته الرسمي والشعبي، وفي ضوء الواقع الفلسطيني والعربي والدولي، تبرز جدوى طرح حل الدولة الواحدة كإطار نضالي شعبي يعيد تعريف الصراع بلغة الحقوق والمساواة. ولا يكون هذا الطرح فعّالًا إلا إذا تحوّل إلى حركة شعبية متراكمة ومتدحرجة، عابرة للحدود، على غرار تجربة BDS، تُراكم الضغط الأخلاقي والقانوني والسياسي حتى تصبح كلفة استمرار منطق القوة أعلى من كلفة التراجع عنه، وإن غدًا لصانعه قريب، جنابك.

Share This Article