صراحة نيوز- ليث القهيوي
هذا المقال ليس تشكيكًا في المستقبل، بل محاولة لإعادة ترتيب الأولويات في النقاش العام. فالوضوح لا يعني القسوة، كما أن النقد لا يعني الخصومة، بل هو دعوة للتفكير الهادئ في العلاقة بين الدولة والسياسة، وبين الشباب والاقتصاد، وبين الطموح والواقع، بعيدًا عن الصيغ الجاهزة. عام جديد قد يكون فرصة حقيقية، ليس لأننا نريده كذلك، بل إذا امتلكنا الشجاعة لنسأل: أين نقف الآن؟ وإلى أين نريد أن نذهب؟ وبأي أدوات؟
غالبًا ما يُنظر إلى الشباب بوصفهم مخزون طاقة مؤجلًا، يُستدعى في الخطاب ويُهمَّش في السياسات. الحديث عنهم مليء بالإشادة، لكنه أقل امتلاءً بالمسارات الواضحة. كثير من الشباب لا يشعرون بأن المشكلة في غياب الفرص فقط، بل في غموض الطريق إليها، وفي عدم اتساق الرسائل التي تُطلب منهم. ومع طول الانتظار، يتحول الطموح إلى قلق، ويصبح السؤال عن المستقبل سؤالًا شخصيًا أكثر منه وطنيًا.
أصبحت الريادة عنوانًا حاضرًا في الخطاب الاقتصادي، وهو حضور إيجابي من حيث المبدأ، لكنه يظل ناقصًا إذا لم يُترجم إلى منظومة متكاملة. فالريادة لا تنمو بالتحفيز وحده، بل ببيئة تشريعية مرنة، وتمويل يفهم طبيعة المخاطرة، وتعليم يوسّع أفق التجربة بدل تضييقه. وحين لا تكتمل هذه العناصر، يُطلب من الشباب أن يكونوا مبادرين في سياق غير مشجع على المبادرة. السؤال هنا ليس عن النوايا، بل عن قدرة السياسات على خلق توازن حقيقي بين الطموح والواقع.
في كثير من الأحيان، تتراجع السياسة حين تُختزل في أشكالها لا في وظائفها. فالمشاركة لا تُقاس فقط بنسبة الإقبال أو بعدد البرامج، بل بإحساس الناس بأن صوتهم يُحدث فرقًا. وكلما اتسعت المسافة بين القرار وأثره الاجتماعي، تراجعت الثقة، وأصبح الخطاب السياسي أقل إقناعًا. استعادة هذه الثقة تتطلب خطابًا أكثر تواضعًا، وسياسات أكثر قابلية للفهم والمساءلة.
الاستقرار هدف مشروع، لكنه لا يغني عن التفكير طويل الأمد. كثير من التحديات التي نواجهها اليوم ليست طارئة، بل هي تراكمات لخيارات مؤجلة. التفكير الاستراتيجي لا يعني القفز في المجهول، بل قراءة الاتجاهات، وتحديد الأولويات، وربط القرارات بأثرها المستقبلي. وحين يغيب هذا المنطق، تتكرر الأزمات بأشكال مختلفة، وتزداد كلفتها مع الوقت.
الوضوح لا يعني امتلاك كل الإجابات، بل الاتفاق على الأسئلة الصحيحة. هو مساحة مشتركة بين الدولة والمجتمع، تُبنى فيها الثقة، وتُدار الخلافات، وتُختبر السياسات. فالإصلاح لا يبدأ من اللغة العالية، بل من الاعتراف بأن بعض الأدوات تحتاج مراجعة، وأن بعض المسارات تحتاج تصويبًا، وأن إشراك الناس في الفهم جزء من الحل لا عبئًا عليه.
في بداية هذا العام، قد لا نحتاج إلى تفاؤل أكبر بقدر ما نحتاج إلى وضوح أعمق؛ وضوح يساعدنا على التمييز بين ما نريده فعلًا وما نكتفي بتكراره، وبين ما يمكن تأجيله وما لم يعد يحتمل التأجيل. فالدول لا تتقدم لأنها لا تُخطئ، بل لأنها تُراجع خياراتها في الوقت المناسب. وبين التفاؤل والقلق، يبقى الوضوح الطريق الأكثر أمانًا للمستقبل.

