صراحة نيوز -بقلم: محمد الخضير
لم يعد واقع البطالة تعبيرًا عن اختلال اقتصادي فحسب، بل غدا توصيفًا طبقيًا صارخًا. فالعنصر الطبقي، حين يتحول إلى معيار لتوزيع فرص الحياة ووفرتها، يصبح في دول العالم الثالث قانونًا غير مكتوب، مشبعًا بالقدرية، يحدد المصائر مسبقًا.
وفي ظل هذا الواقع، يغدو من الطبيعي أن يخرج مسؤول، مرة بعد أخرى، ليخاطب شبابًا غارقين في التهميش والإقصاء، وفي عتمة غياب العدالة الاجتماعية، بخطاب وعظي عن الوطنية، مطالبًا إياهم بصناعة فرصهم بأنفسهم؛ بينما ينشغل أبناؤه وأبناء طبقته باللهو بالفرص، الغارقين في حيرة الاختيار لا في غيابه.
إنها لا شك وطنية زائفة، تُمنح مقابل ثمن بخس من الوعظ، قائمة على ولاء القطط ، تتغذّى داخل “مزارع” مغلقة تنشط فيها تناسل الكوتات ، كحصص أبناء العاملين أو المتقاعدين من درجات وظيفية محددة، مع إقصاء آخرين يشتركون في ذات الاستحقاق المصطنع ناهيك عن عشرات المصارف الأخرى للظلم، التي تفسد التربة الوطنية وتُصحر انتماء أبنائها.
وقد تشكّلت هذه الحالة البائسة عبر تراكم طويل لغياب العدالة الاجتماعية. المساواة وتكافوء الفرص، في ظل فراغ سياسي مقاوم لأي بيئة إصلاحية، ومرتعٍ لخطاب وعاظ متنفعين، هم في جوهرهم إفرازٌ لتركيبة طبقية، ووجه آخر لبُنى ما قبل الدولة، حيث يُكرَّس توريث التمثيل السياسي في صيغة وثنية حديثة.
وما ينتج عن ذلك ليس سوى روافد عارمة من غضبٍ مؤجَّل، يتراكم وعيه في بؤسه، بانتظار لحظة يهدم فيها قباب الوطنية الزائفة، ويعرّي خطابها، ويعيد طرح التساؤلات في ظلال وعي كل من شهد هذا المشهد بحسّه وفكره:
كيف يمكن لوطنٍ تُصنَّف فيه الفرص طبقيًا أن يطالب أبناءه بولاءٍ متساوٍ؟
وكيف لفطرةٍ إنسانيةٍ أن تتعايش مع أوضاعٍ تزرع في بصرها المسافة بين الحقول والمنازل؟

