الحرية الفكرية والاتباع الطوعي

3 د للقراءة
3 د للقراءة
الحرية الفكرية والاتباع الطوعي

صراحة نيوز- بقلم /  م. هاشم نايل المجالي

في زمنٍ يتكاثر فيه الضجيج، وتختلط الأصوات، أصبح من السهل أن يضيع طريق الصواب، وصوت الحق، والمصلحة الوطنية بين تلك الصرخات والشعارات، وأن يذوب نور البصيرة في وهج الرايات المختلفة.

كل حزبٍ أو جماعةٍ لها راية، ولعلّ أخطر ما يُبتلى به الإنسان بعد الجهل هو أن يُسلِّم عقله لغيره بشكلٍ أو بآخر، فيترك التفكير وينتظر التوجيه، ولا يحسب أن طريق الصواب والصح لا يُرى إلا من خلال عيون رئيسه أو حزبه أو جماعته.

إنّ الحق لا يُختزل في الأشخاص، ولا يُعرف بالرجال، ولكن الرجال يُعرفون بالحق، هذه الكلمة تختصر مأساة أجيالٍ كاملة من الشباب الذين جعلوا عقولهم أسيرةً لغيرهم، فإذا قال زعيمهم هذا هو الصواب، أو قال فلان هو ضال أو خائن، قالوا آمنا وصدقنا، دون أن يقفوا على البينة أو الدليل ليتحققوا مما قيل.

وإذا أمرهم زعيم الحزب أو قائد الجماعة قالوا سمعاً وطاعة، حتى وإن جرّهم إلى سلوكٍ معاكسٍ للمصلحة الوطنية، أو إلى فتنة، حيث إنهم أذعنوا له، وأسندوه، ودافعوا عنه دفاعاً مستميتاً ضد كل من ينتقده أو يحاوره ويناقشه فيما قال، قال تعالى: (وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا)، والعبرة ليست بمن قال، بل بما قيل، ولا بما ورثنا، بل بما دلّ عليه الدليل.

فكم من إنسانٍ كان يبحث عن هداية الله وطريق المستقبل الآمن، فوجد شخصاً دلّه على الطريق، فظنّ أن ذلك الشخص هو الطريق، ليتعلّق به أكثر مما يتعلّق بمن دلّه على الطريق السوي والسليم والصحيح.

فهناك من الشباب من يبتدعون زعيماً لهم، قائد مسيرة، يوجّههم كيفما يريد، ويوجّه سلوكهم حسب مصالحه، حتى صاروا يزنون الأمور بميزانه، ويفسّرون كل شيء على لسانه، ويرون أن كل من يخالفه هو ضال.

هكذا تُدمَّر الدول والأوطان عندما يجد كل شخصٍ أو جماعةٍ من هو واسطة تُعبد من دون الله، وهو قائدٌ له، يسيره كيفما يريد، ولقد حذّر النبي صلى الله عليه وسلم من هذا المسلك، حيث قال: (لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه)، فعلى شبابنا أن يستقلّوا بعقولهم، ويكونوا مع الحق، ومع مصلحة الوطن، وأمن واستقرار هذا المجتمع.

فالاستقلال الفكري وأنت متمسك بالدليل القاطع ليس تمرداً، وهو أن تزن الأمور بميزان العقل، وليس بميزان أشخاص نصبوا أنفسهم زعامات عليك، قال الإمام مالك رحمه الله: (كل يؤخذ من قوله ويُردّ إلا صاحب هذا القبر)، وأشار إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم، هذه الجملة وحدها منهج حياةٍ كامل في الحرية الفكرية والاتباع الطوعي.

Share This Article