صراحة نيوز – زهير الرواشدة
ليست الأحداث المتفرقة في بغداد وغزة وكراكاس سوى فصولٍ متعددة في رواية واحدة، عنوانها الصراع بين إرادة الشعوب ومشروع الهيمنة الأمريكية. فاختلاف الجغرافيا لا يُخفي وحدة المنهج ولا تشابه الأدوات ولا تكرار الذرائع، ما يؤكد أن ما يجري ليس أزماتٍ منفصلة، بل سياسة متكاملة تهدف إلى إخضاع الدول التي ترفض الانضواء تحت المظلة الأمريكية أو الخروج عن إملاءاتها.
العراق: الاحتلال باسم “الديمقراطية”
في بغداد، تجلت الغطرسة الأمريكية بأوضح صورها مع غزو عام 2003، تحت ذرائع ثبت زيفها، من أسلحة الدمار الشامل إلى نشر الديمقراطية. كان الهدف الحقيقي تدمير الدولة الوطنية، تفكيك مؤسساتها، ونهب ثرواتها، وتحويل العراق من دولةٍ مركزية فاعلة إلى ساحة صراعات داخلية وتدخلات خارجية. لقد دفع الشعب العراقي ثمناً باهظاً من الدم والسيادة والاستقرار، في نموذج صارخ لكيفية استخدام القوة العسكرية كأداة لإعادة تشكيل المنطقة وفق المصالح الأمريكية.
غزة: دعم العدوان وشرعنة الإبادة
أما في غزة، فتأخذ الغطرسة الأمريكية شكلاً أكثر وقاحة، عبر الدعم السياسي والعسكري غير المحدود للكيان الصهيوني، وتوفير الغطاء الدولي لجرائم الحرب والإبادة الجماعية. هنا لا تحتاج واشنطن إلى جيوشها المباشرة، بل تستخدم حليفها كأداة متقدمة لضرب إرادة الشعب الفلسطيني وكسر صموده، فيما تُسخّر القانون الدولي وحقوق الإنسان انتقائياً، فتُعطّل قرارات مجلس الأمن، وتُفرغ العدالة الدولية من مضمونها.
فنزويلا: الحصار كسلاح
وفي فنزويلا، يتجسد الوجه “الناعم” للهيمنة، عبر الحصار الاقتصادي والعقوبات الخانقة، ومحاولات الانقلاب السياسي، وتشويه التجربة الوطنية بحملات إعلامية منظمة. الهدف واضح: إسقاط أي نموذج يجرؤ على التحكم بثرواته النفطية وقراره السيادي، وإرسال رسالة ردع إلى كل دولة تفكر بالخروج عن الطاعة الأمريكية. إن تجويع الشعوب أصبح أداة حرب لا تقل فتكاً عن القصف.
وحدة الأدوات وتعدد الأقنعة
ما يجمع هذه الساحات هو وحدة الأدوات:
القوة العسكرية حيناً،
العقوبات والحصار حيناً آخر،
الضغط السياسي، الإعلام الموجَّه، وتطويع القانون الدولي دائماً.
تُرفع شعارات الديمقراطية وحقوق الإنسان عندما تخدم المصالح، وتُسحق هذه القيم ذاتها عندما تتعارض معها.
المعركة الأوسع: معركة السيادة والكرامة
إن المعركة من بغداد وغزة إلى فنزويلا ليست ضد الولايات المتحدة كدولة أو شعب، بل ضد مشروع إمبريالي قائم على الهيمنة ونهب الثروات وإخضاع الإرادات. وهي معركة طويلة تتطلب وعياً سياسياً، وتضامناً أممياً بين الشعوب المتضررة، وبناء جبهة مقاومة شاملة: سياسية، اقتصادية، ثقافية وإعلامية.
لقد أثبت التاريخ أن الغطرسة مهما بلغت ذروتها تحمل في داخلها بذور سقوطها، وأن الشعوب التي تصمد وتراكم وعيها قادرة على كسر حلقات الهيمنة. فالمعركة واحدة، والعدو واحد، لكن الإرادة الشعبية حين تتوحد، قادرة على تحويل الألم إلى قوة، والحصار إلى بداية تحرر

