صراحة نيوز- بقلم: جهاد مساعده
جاء هذا المقال ردًّا على ما صدر عن غسان الحسن في برنامج شاعر المليون، من قولٍ أساء إلى الشاعر البدوي الأردني، حين خلط بين الشهرة والقيمة، وانتقص من إرثٍ شعريٍّ راسخ لا تُعرّفه المنابر الإعلامية ولا تصنعه البرامج.
بلغني _ وأنا أقلّب دفاتر اللغة وأشمّ رائحة الحبر العتيق _ أن رجلًا يُقال له غسان الحسن خرج على الناس من خلف منضدة لامعة، فقال قولًا لو سمعته العربية لشدّت عباءتها عليها حياءً؛ إذ زعم أن الشاعر البدوي الأردني لم تكن له قيمة حتى أشرقت عليه شمس شاعر المليون، فصار _ بقدرة قادر _ شاعرًا ذا شأن!
فقلت في نفسي: سبحان من يحيي القيم بعد موتها بالريموت كنترول، ويبعث التاريخ من القبور بإشارة مخرج!
يا هذا، أتظنّ أن الشعر كان يتسكّع في الصحراء باحثًا عن وظيفة؟
أو يقف على أبواب القنوات يرجوك اعترافًا مؤقتًا؟
وهل كانت القصائد _ قبل البرامج _ مجرد كلام فائض عن الحاجة، حتى جاء الإعلان الفاصل فمنحها شهادة حسن سلوك؟
عجبًا لك! جعلتَ القيمة بنت الاستوديو، والشعر لقيطًا لا يُنسب حتى تتبنّاه لجنة تحكيم!
ولو كان ما تقول حقًّا، لوجب أن نمحو أسواق العرب، ونحذف الرواة، ونشطب الذاكرة، ونكتب على باب التاريخ: “مغلق حتى إشعار آخر… بانتظار بثّ مباشر”.
أيها الرجل، لقد خلطتَ بين الشهرة والقيمة، كما يخلط بعضهم بين الدواء والسمّ، لأن كليهما في زجاجة. والنقد _ مهما اشتدّ _ لا يكون نفيًا للأصل، ولا مسحًا للتاريخ، ولا تعليقًا للقيمة على زمن البث.
الشاعر البدوي الأردني كان يقول البيت فتهتزّ له القبيلة، لا لأن لجنة صفّقت، بل لأن المعنى أصاب. وكانت القصيدة تعيش أكثر منك لأنّها لم تُربط بموسم، ولا بموعد بث.
أما البرنامج _ حفظه الله من الغرور _ فهو سوق من أسواق العصر؛ من دخلها رُئي، ومن لم يدخلها لم يمت. فالظهور ليس دليل قيمة، كما أن الغياب ليس شهادة نقص.
فدع عنك هذا القول، الذي لا يسنده عقل، ولا لغة، ولا تاريخ، واعلم أن القيمة شيءٌ يُعرف بالجوهر لا بالإضاءة، وبالصدق لا بالديكور الإعلامي.
وإن كنتَ لا ترى الشعر إلا إذا مرّ من برنامجك، فتلك عاهة في البصر لا في القصيدة.
هذا ما عندي، ولو شئتُ الزيادة لزدت، لكنني أكره الإسهاب حين يكون المعنى قد صفَع واكتفى.

