البطوش: “برامج الأطفال الحديثة لشد الانتباه، لا لتبني المعنى”

4 د للقراءة
4 د للقراءة
البطوش: “برامج الأطفال الحديثة لشد الانتباه، لا لتبني المعنى"

صراحة نيوز- لبنى الخطيب
قالت الاستشارية النفسية الأسرية والتربوية حنين البطوش إن الفرق الأساسي بين برامج الأطفال القديمة والحديثة هي في فلسفة البناء التربوي لا في الشكل فقط، إذ اعتمدت البرامج التقليدية مثل “افتح يا سمسم” و”قصص عالمية” على سرد هادئ ولغة رصينة تنمّي خيال الطفل ومفرداته وتفكيره التأملي.
وأضافت لـ” صراحة نيوز” أن الكثير من البرامج الحديثة، خاصة محتوى اليوتيوب السريع يرتكز على الإبهار البصري حيث تقدم المعلومة بشكل متسارع يهدف إلى شدّ الانتباه لا إلى بناء المعنى، مما يعزز الاستهلاك السلبي للمحتوى ويحدّ من التفاعل الذهني العميق.
وأكدت البطوش أن البرامج القديمة أُنتجت بإشراف تربوي ونفسي يراعي مراحل النمو، بينما يُصمَم جزء كبير من المحتوى الحالي وفق خوارزميات المشاهدة لا المعايير التربوية، الأمر الذي انعكس سلوكيًا بزيادة الاندفاعية، وتراجع الحصيلة اللغوية المتينة، وانتشار تعبيرات سطحية قليلة القيمة.

ونوهت البطوش أن للالوان والحركة السريعة تأثيراً واضحاً على الاطفال حيث تؤدي الألوان الفسفورية الصارخة، والحركة السريعة، والإيقاع الصوتي المرتفع في برامج الأطفال إلى حالة من الإثارة العصبية المفرطة التي تُجهد الجهاز العصبي، خاصة في المراحل العمرية المبكرة. هذا النوع من التحفيز المكثف يضعف القدرة على التركيز والانتباه، ويؤثر في المزاج بجعل الطفل أكثر اندفاعية وأقل صبرًا.
وأفادت أن مرحلة الطفولة المبكرة (0–6 سنوات) تعد الأكثر حساسية لهذه المحفزات، ولا سيما قبل سن الثلاث سنوات، بسبب ارتفاع مرونة الدماغ وقابليته للتشكّل. إذ يعتاد الدماغ على مستويات عالية من الإثارة، فيصبح الواقع الهادئ أقل جذبًا، وقد يُنظر إليه على أنه ممل.
وتابعت: رغم أن هذا التعرض لا يسبب اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه كاضطراب جيني، إلا أنه قد يؤدي إلى أعراض سلوكية مشابهة (Pseudo-ADHD) مثل ضعف التركيز وصعوبة الاستمرار في المهام الهادئة، نتيجة الاعتياد على التحفيز السريع وذلك بسبب فرط افراز هرمون الدوبامين واستهلاكه ،والذي بدوره مرتبط بالمكافأة والتحفيز ،جاعلا الطفل في حالة بحث عن محفزات اقوى وأسرع”.

وبينت البطوش أن القصة المنطقية أساسًا لتدريب الطفل على التفكير المتسلسل وحل المشكلات، إذ تعلّمه فهم البداية والنتائج والربط بين السبب والنتيجة، بما يعزز اتخاذ القرار الواعي ويحدّ من الاندفاع. فهي لا تقتصر على التسلية، بل تبني مهارات عقلية ضرورية للنمو السليم.
في المقابل، يؤدي الاعتياد على محتوى سريع وغير منطقي يقوم على عبثية مطلقة ومشاهد غير مترابطة إلى تشتيت التفكير وصعوبة تنظيم الأفكار، كما يرسّخ نمط الإشباع الفوري ويضعف مهارة تأجيل اللذة، المرتبطة بالنجاح الدراسي وضبط السلوك والاستمرارية في الإنجاز.
أما غياب القيم التربوية الواضحة، فيُحدث ارتباكًا أخلاقيًا لدى الطفل، إذ يقلّد سلوكيات عشوائية لشخصيات بلا هدف أو رسالة. لذلك تُعد القصة الجيدة أداة تربوية عميقة تسهم في بناء عقل متوازن وقيم واضحة وهوية أخلاقية متماسكة.

وشاركت البطوش بعض نصائح وتوجيهات لحماية الطفل من الآثار السلبية للشاشات، أولًا بتطبيق قاعدة 3-6-9-12 العالمية: لا شاشات قبل سن 3، ولا استخدام الإنترنت قبل سن 6، ولا التواصل الاجتماعي قبل سن 12، مع التركيز على نوعية المحتوى ومدته. ويمكن تعويض الشاشات ببدائل تربوية مثل اللعب الحر، والقراءة الجهرية، والأنشطة الحركية، والمشاركة في المهام المنزلية، لما لها من دور في تنمية اللغة والتركيز والمسؤولية
ايضاً اختيار المحتوى الرقمي بعناية، مع التركيز على قنوات وبرامج تعتمد أسلوب السينما البطيئة، الذي يحاكي إيقاع الحياة الواقعية ويعوّد الطفل على الصبر والانتباه، ليصبح نموه متوازنًا بين الواقع الرقمي والحيّ.

وأوضحت البطوش أن الهدف ليس المنع، بل التوجيه نحو محتوى هادف وبدائل واقعية تساعد الطفل على التمييز بين الواقع والخيال، وتنمّي التفكير المنطقي والتعاطف، ليكبر بوعي وتوازن وقدرة على مواجهة الحياة بثقة.
واختتمت بأن ما يُقدم للطفل عبر الشاشات لا يقتصر على الترفيه، بل يؤثر في بناء عقله ولغته وشخصيته وقيمه. ما يحمّل الأهل والمربين مسؤولية حمايته من الإثارة والعنف، وتنمية الصبر والتركيز والقيم، وتعزيز التفاعل الإنساني.

Share This Article