صراحة نيوز- بقلم المحامي حسام العجوري
هناك حالات كثيرة لأشخاص محتجزين إداريًا لفترات طويلة، ومن أبرزها مواطن عراقي ظل موقوفًا ما يزيد على ثلاث سنوات متواصلة، ليس لارتكابه أي جرم جديد، ولا لصدور حكم قضائي حديث بحقه، وإنما بسبب تضارب غير معالج بين حكم جزائي بالإبعاد وقرار مدني بمنع السفر.
إن هذا الوضع يمثل انتهاكًا صارخًا للقانون والدستور، ويخالف بوضوح القاعدة القانونية الثابتة «الجزائي يعقل المدني»، وهي قاعدة ملزمة وآمرة، يترتب عليها وقف أثر الحكم المدني أمام الحكم الجزائي متى اتحدت الواقعة والأطراف. وقد استقرت هذه القاعدة على التشريعات والاجتهاد القضائي، وهي الأساس الذي يجب أن يُعالج بموجبه أي تضارب بين الإجراءات الجزائية والمدنية.
ورغم وضوح هذه القاعدة، ما زال التنفيذ العملي يعكس خللًا إداريًا جسيمًا، إذ لا يُنفذ الإبعاد بحجة وجود منع سفر مدني، ولا يُرفع منع السفر بحجة وجود حكم بالإبعاد، فتتحول هذه الحالات، مثل حالة عدنان محمد كشاش الرفاعي، إلى توقيف إداري مفتوح بلا سقف زمني، بل يقترب من التحول إلى سجن مؤبد.
إن استمرار هذا الوضع يحوّل التوقيف الوقائي إلى عقوبة دائمة بلا أي سند قانوني، وينتهك مبدأ المشروعية ويخل بحقوق الإنسان المكفولة دستوريًا، ويقوض هيبة القضاء والإدارة ويخلق حالة من فقدان الثقة بالنظام القانوني، كما يشكل عبئًا إنسانيًا وقانونيًا على الدولة دون أي مبرر.
وعليه، فإن معالجة هذا الخلل لم تعد خيارًا، بل واجبًا قانونيًا وأخلاقيًا وإداريًا عاجلًا، وتقتضي اعتماد القاعدة القانونية «الجزائي يعقل المدني» كمرجعية ملزمة ونهائية، وإعطاء الأولوية المطلقة لتنفيذ الحكم الجزائي بالإبعاد متى أصبح واجب النفاذ، ووضع سقف زمني محدد للتوقيف الإداري مع مراجعة دورية إلزامية، ومعالجة فورية لكل الحالات التي تجاوز توقيفها مددًا غير معقولة، وضمان عدم تكرار مثل هذا التعارض القانوني.
إن العدالة لا تتحقق بمجرد صدور النصوص، بل بتطبيقها بحزم وعدالة، وبمنع تحول الإجراءات الاستثنائية إلى واقع دائم يمس كرامة الإنسان وهيبة الدولة في آن واحد، ويجب أن ننهي الفراغ القانوني لمثل هذه الحالات ونعيد ترتيب الأولويات القانونية والإدارية فورًا .

