صراحة نيوز- بقلم / عوض ضيف الله الملاحمة
كم أفتخر ، وأبتهج عندما أرى زاوية مضيئة ، مشرقة ، متحضرة في وطني الحبيب . في بعض زوايا وطني ألمس بنفسي ما يؤكد ان وطني الحبيب يحاول ان يساير ركب الحضارة والتطور بإصرار ، وعزيمة دون كللٍ او ملل . لكن مع الأسف ان هناك زوايا مظلمة ، معتمة ، مكفهرة ، غائبة او مغيبة عن التطور الحضاري اللازم ، ولا أدري ، أنا وغيري من المواطنين المنتمين لوطننا لماذا ؟ وما السبب ؟ ومن المسؤول؟
الأخذ بركب الحضارة ، واللحاق بالتطور ، وتحسين الخدمات للمواطنين ، والتخفيف عنهم في الإجراءات ، والبعد عن التعقيد ، لا يعني دوماً انه يحتاج لكلف عالية باهظة — قد لا تتوافر — أبداً . في أحايين كثيرة يتطلب ذلك إبداعاً ( إدارياً ) ، ( وتنظيماً ) فقط ، مع شيء من ( الإنتماء ) ، و( الرغبة في العطاء) .
لا أدري لماذا (( لا )) تُعمم تجربة دائرة ترخيص المركبات التابعة لمديرية الأمن العام على كافة دوائر ووزارات الدولة الأردنية المختلفة !؟
أحياناً ، عندما أرى إصرار إدارات الترخيص على إستدامة التطوير ، وتحسين الخدمات ، أشعر وكأن الترخيص كما ( الواحة الخضراء ) الغنّاء ، في صحراء جدباء قاحلة ، رمالها المتطايرة تلسع كما الأبر .
ذهبت اليوم الى قسم ترخيص المركبات في مرج الحمام في عمان ، لترخيص سيارتي الخاصة . ولأنني لا أعرف من أين أبدأ ، رأيت شرطيين قريبين ، اقتربت منهما بسيارتي ، وفتحت الشباك الأمامي الأيمن ، وسألتهما : صباح الخير شباب ، فرد الإثنان : يا صباح الخير ، آمر عمي ؟ ما يؤمر عليكم ظالم ، أود ترخيص سيارتي هذه ، فمن أين أبدأ ؟ فوجهاني ، لكنهما أكدا على ضرورة سؤال ذلك الشرطي الذي أمامنا ويبعد حوالي ( ٤٠ ) متراً . توجهت بسيارتي مباشرة اليه ، والقيت عليه تحية الصباح ، ورد بأحسن منها ، وسألته نفس السؤال ، فقال : عمي البوابة الثالثة على اليمين . وسلكتها ، ودخلت ، فإذا بثلاثة مسارب ، والتزمت بأحدها ، ووجدت ان أمامي عدداً من السيارات ، وتشككت : هل أنا بالمسرب الصحيح ؟ وبعد دقائق ، كان شرطياً يتحرك بين السيارات ، فأومأت اليه ، وحضر فوراً ، وعلى عجل : صباح الخير عمي ، آمر ؟ قلت له هل انا على المسرب الصحيح ؟ قال : عمي كلها تؤدي الى نفس الخدمة ، وكل مسرب له خدمته الخاصة . شكرته ، وقلت له ربي يطمنك عمي ، حتى لا نتزاحم للإنتقال من مسرب لآخر ، قال : لا عمي .
بعد دقائق ، وصلت الى دوري وانا لم أغادر سيارتي ، الشباك الأول : على اليسار : بادرني بالسلام : يسعد صباحك عمي ، فرددت عليه السلام ، وسلمته رخصة السيارة ، وسريعاً طلب مبلغاً من المال ، فناولته المبلغ ، قال : هذا لتغطية التأمين عمي ، رددت عليه تمام عمي . وإذ بموظف الشباك الثاني يقول : عليك مخالفات عمي ؟ قلت له نعمممم ، وهل هناك من يسلم منها عمي ؟ سددت القيمة ، وانتقلت للشباك الثالث : فألقى الصباح بدفءٍ ، ودفعت مبلغاً بسيطاً ، واكد ان هذا المبلغ لترخيص السيارة ، وما هي الا ثوانٍ معدودة ، واذ به يسلمني رخصة السيارة ، قائلاً : خلص عمي ، الله معك ، نهارك سعيد ، انتهت الإجراءات ، شكرته ، من سويداء قلبي ، وشكرت كافة القائمين على هذا الصرح الحضاري ، محط فخر واعتزاز كل أردني شريف .
شيء يُثلج الصدر ، ويبهج الخاطر ، ويريح النفس ويعزز محبة الوطن . لماذا لا يتم نقل هذا التطور الحضاري الذي يحترم الانسان ، ويوفر وقته ، ويقلل جهده ، ويريح أعصابه ويعزز إنتمائه الى كل مؤسسات ودوائر ووزارات الدولة في وطننا الحبيب ؟
ما حصل معي اليوم يشبه بعض القصص التي كنا نسمعها في (( أقطارٍ أخرى )) — مع فارقٍ كبير — حيث كان يحصل مع بعض الأشخاص ان يتم إستدعائه ، بل جلبه بخشونة ، ويتم تكبيله ، وتغطية عينية ، ويمسك كل عسكري بيد ، ويتم إقتياده بعنف ، ونقله بسيارة الى جهة لا يعلمها ، بل يجهلها ، وعندما يسألهم : الى أين هم ذاهبون به ؟ إما لا يُرد عليه ، او بأحسن الأحوال يقال له : لا نعلم . وبعد مسير يكتنفه الرعب — ومع سيطرة حالتي ( الجهل والخوف ) — يرى نفسه أمام الرئيس . فيستغرب الرئيس الخشونة في التعامل مع هذا الشخص ، ويكتشف الشخص ان إحضاره لغايات (( تكريمه )) .
نعم ، وأُقسم ، أنني شعرت وكأنه تم تكريمي في قسم ترخيص المركبات في مرج الحمام هذا اليوم . لأن الاحترام تكريم ، وإختصار الإجراءات تكريم ، وتقليل وقت انجاز المعاملات تكريم ، نعم تكريم لي ولكل مواطن . نعم كأنه تكريم ، كانه تعزيز احترام للمواطن واحترام إنسانيته وآدميته ومواطنته .
لا أدري لماذا لا يتم تعميم التطوير والتحديث الذي يشهده ترخيص المركبات على كافة دوائر ووزارات الدولة ؟ ما يحدث من تطوير في الترخيص يؤكد ان لدينا الإمكانيات ، والقدرات لنكون أفضل . ما يحدث في الترخيص يؤكد بما لا يدعو مجالاً للشك انه بإمكاننا ان نكون متطورين ، متحضرين . بإمكاننا ان نتقدم ونطور في إجراءاتنا الرسمية بما يحترم آدمية المواطن ، ووقته ، وجهوده ، وكرامته .
لماذا الترخيص ( يبز ) غالبية مؤسسات الدولة ؟ ما السبب ؟ ما الذي أوصل الترخيص الى هذا التطور الحضاري في خدماته ؟ ثم ما الذي يمنع من ان تحذو كافة مؤسسات الدولة حذوه ؟ مع ان غالبية إجراءات المؤسسات والوزارات الحكومية أقل بكثير من ناحيتي التعقيد والتدقيق المطلوب .
التنغيص الوحيد في الترخيص — وهو ليس مسؤولاً عنه — يتمثل في (( المخالفات الجائرة )) ، حيث اصبحت المخالفات جائرة ، هدفها الجباية وليس التوعية ، وها هي ( تقضم ) نسبة ليست بسيطة من الدخل الشهري للمواطن الاردني .
من ينتقد بعض الإجراءات ، او التعقيدات ، او عدم مجاراة التطور والتحديث المطلوب في بعض مؤسسات الوطن ، من أصحاب الأقلام الشريفة ، المنتمية حقاً للوطن ، لا يقصدون ، النيل من الوطن ، او التشهير به ، وإنما يعشقون وطنهم ، ويودون الإرتقاء به . ولانهم يعلمون انه بالإمكان الإرتقاء بالوطن ، وبكلف معقولة ، ودائرة الترخيص في مديرية الأمن العام خير مثال على ذلك .
وجوه كلها بشاشة ، ونفوس طيبة ، وصباحات مشرقة ، مفرحة ، وإجراءات سهلة وميسرة ، واحترام لدرجة انك لا تترجل من سيارتك ، ووقت قصير ، ونفاذ للإجراءات بسرعة ، وتعود لبيتك مواطناً محترماً ، شاكراً ومقدراً لهم ، ومفتخراً انك مواطن بهذا الوطن .
رخّصت اليوم سيارتي بدون أي ( تنغيص ) ، دون ان ( أترجل ) منها نهائياً ، فشعرت ( بإحترام آدميتي ) ، وأحسست بأنني ( مواطن محترم ) ، في ( دائرة محترمة ) ، متحضرة . [[ لأن إحترام آدمية الأنسان هي في جوهر مسؤولية الأوطان ]] .

