صراحة نيوز- عوض ضيف الله الملاحمة
من حقي أن أفتخر بأردنيتي ، لكن ليس من باب التعصب الأعمى ، البته ، بل فخر يستند بما لديّ من أسبابه وموجباته . [[ كما أنني أفتخر بالقبائل والعشائر الأردنية ، والعربية عامة ، لأنني أعتبر العشيرة منظمة مجتمعية ضابطة لسلوك الفرد والجماعة ]] .
يوم السبت الموافق ٢٠٢٦/١/١٧، فُجعت منطقة مرج الحمام عموماً ، وعشيرة المناصير ( العبّادية ) الأصيلة بفقد الشيخ الكريم الجليل / عايش جودة المناصير العبادي ( ابو كايد ) . وهو وجه عشائري معروف ، رحمه ربي وأسكنه فسيح جناته.
وتزامن مع ذلك الفقد المفاجيء موقفاً عروبياً أصيلاً عَزَّ نظيره أقدمت عليه عائلة الفقيد وتحديداً أبنائه . وحظي هذا الموقف بإهتمام كبير من الأردنيين عامة ، حيث إنشغلت وسائل التواصل الإجتماعي بهذا الحدث بشكل غير مسبوق .
ولأهمية الحدث ، وددت تسليط الضوء عليه ، واليكم التفاصيل نقلاً عن أحد أبنائه السيد / شامخ ، وأنا أعرفهم منذ حوالي ( ١٥ ) عاماً : كعادة الشيخ / عايش المناصير ، كان ينتظر ضيوفاً سبق ان دعاهم لتناول طعام الغداء في بيته ، في منطقة مرج الحمام . وقام أبنائه النشامى بكافة التحضيرات اللازمة ، التي تليق بضيوف الوالد كالعادة . وعند إستكمال كافة التجهيزات ، وقرب موعد وصول الضيوف ، قام المعزِّب ( أبو كايد ) بإرتداء أجمل ما لديه من الزي العربي الفاخر ، الذي يضيف هيبة لهيبته ووقاراً ووجاهة ، وتعطّر ، وأصبح يمازح زوجته وأبنائه بأنه جاهز لإستقبال ضيوفه بعد ان تعطّر ، مكرراً للجميع انه تعطّر بعطرٍ فاخر ، وعائلته تعرف عنه انه لا يحب إستخدام العطر الا نادراً . وهَمَّ بالذهاب لصالة الضيوف ، لانه لم يتبقَ الا حوالي نصف ساعة على وصولهم ، وقبل ان يصل صالة الضيوف وأمام عددٍ من أفراد أسرته سقط على الأرض ، وتوفيّ ، بسبب إصابته ( بجلطةٍ ) مفاجئة ، وغادرت الروح الجيد والأرض ، وصعدت الى السموات العُلى عند بارئها .
صُعِق الحضور من أفراد الأسرة ، وتسمّروا لثوانٍ ، بسبب هذا الحدث الجلل . لكنهم سرعان ما إستجمعوا قواهم ، وأدركوا انه لا وقت مطلقاً لتضييعه ، فوصول الضيوف أصبح وشيكاً . إتصلوا فوراً مع عمهم ، واخبروه بالفاجعة ، وطالبوه بكتمان الخبر ، والحضور فوراً ، ليكونوا في إستقبال الضيوف . واتفقوا على ان يقولوا عندما يسأل الضيوف عن ( معزبهم )ان ابو كايد : ذهب للمخفر ، ليحضر أحد أبنائه ، لأنه تعرض لمشكلة بسيطة ، وانه سيعود في الحال .
أخفوا ، وكتموا خبر وفاة والدهم ليتموا إكرام ضيوفه ، حيث لم يمهله القدر للترحيب بهم ، فكان أبنائه النشامى بديلاً عن والدهم في إتمام مراسم دعوته .
وصل الضيوف ، وبدأوا بالترحيب بهم ، فتعالت أصوات المعازيب : يا هلا بضيوفنا الغانمين ، يا هلا بيكم : حياكم من ممشاكم لملفاكم ، تفضلوا ، يا هلا وغلا بضيوف الرحمن . وتستمر الإبتسامة ، ويستمر الترحيب بالضيوف . ولا شيء يظهر سوى عبارات الترحيب و (التهلي ) ، يا هلا بالضيوف ، يا هلا والله ، أبرك الساعات ، تقدموا ، فوتوا . والوجوه الأصيلة تتهلل بِشراً ، وترحيباً ، وتوجيباً . ويبدأون بصب القهوة العربية للضيوف ، ويتم سكب المناسف وتجهيزها . ويأتي دور بعض الشباب ، فيحمل كل شاب منسفاً ( ويقلطوها ) للضيوف ، وكأنهم خط إنتاج في مصنع الكرم والرجولة . ويوزعونها على الطاولات التي تم تجهيزها مسبقاً . ويرتفع صوت أحد اكبر إخوة المعزب — لغياب المعزب الرئيسي — ويقول : حيا الله الضيوف ، ( أقلطوا )على الميسور ، على طيبة النفس ، وإلا الغداء ما هو من قيمتكم . يرد أحد الضيوف : الميسور غانم ، ترى والله إنّا كلفناكم ، لكن وين معزبنا ابو كايد ، ترانا ما شفناه ، وينه !؟
ويأتيه الرد من شقيق ( أبو كايد ) ، ويقول : ودنا تعذرونا يالربع ، ترى معزبكم راح للمخفر ، واحد تبلى على ابنه الصغير ، وراح ينهي الإجراءات ويجيبه ، وهو جاي بالطريق ، ان شاء الله انه ( مايبطي ) ، ما تصيروا متغديين غير هو جاي ، إن شاء الله ، ترى مشواركم طويل وانتم جوعانين يا ضيوف الرحمن .
الإبتسامه مطبوعة على وجوه المعازيب دون إستثناء . والأصوات تتعالى ترحيباً ، وهذا يقول : يا شباب : الشراب ، وزعوا الشراب على ( المواكل ) ، والثاني يقول : وين الشراك ، حطوا شراك على كل الطاولات ، وثالث ينادي : لاتنسوا المية يالربع . وآخر يقول : ترى الزاد لَتْقَلَّطْ خلص ، وجيرة الله ما واحد يقوم وليه خاطر بالزاد .
وكأن شيئاً لم يكن ، وكأن شيخاً لم ( يتجندل ) . وينتهي الغداء ، بمغادرة كافة الضيوف للمناسف ، ليغسلوا أيديهم . وتُسكب القهوة العربية الأصيلة ، أصالة المعازيب والضيوف معاً ، عندها ينبري كبير الضيوف قائلاً بصوت جهور : يالربع وين أبو كايد ، تراه أبطى ؟ خير ان شاء الله !؟
فيأيتيه الرد الصاعق ، والخبر اليقين على لسان شقيق أبو كايد : يالربع ، يا ضيوف الرحمن : ترى والله أبو كايد : عطاكم عمره ، توفى قبل نص ساعة من وصولكم ، والدايم الله ، وهاذي سنة الحياة ، ولا نقول الّا ما يرضي الله سبحانه وتعالى .
يسود صمت مُطبق بحجم المأساة ، وبقدر المصاب ، وتعتلي الوجوه الحسرة والألم ، وتكفهر ، وتصفر ، وتتلعثم الألسن ، وترتجف الشفاه لبرهة من الزمن . لملم الضيوف حزنهم ، واعتذروا ، وشكروا ، وتألموا على عِظم الفقد ، وترحموا على أبي كايد ، وقرأوا الفاتحة على روحه ، وإستأذن الضيوف قائلين : كثر الله خيركم ، وتمدوا من وساع ، وترخصوا لنا ، على شان تقوموا بالواجب تجاه أبو كايد لإكرامه بدفنه ، وانصرفوا .
لله درُّك أيها الأردني الأصيل ما أروعك وما أعظم مواقفك . عشيرة أردنية أصيلة ( تجندل ) أحد شيوخها ، وزاره ملك الموت ، وقبض روحه الطاهره ، وفارق الحياة ، وكافة أفراد أسرته وبعض من اقاربه حوله ، ويتخذون قراراهم الشجاع الأصيل بكظم الغيض ، وإخماد نار الحزن ، والتعالي على الفقد الجلل ، وكبتوا مشاعرهم تجاه شيخهم وكبيرهم الذي فارق الحياة وفارقهم ، وتعالوا على المصاب العظيم ، وأخفوا حالة الوفاة ، وتظاهروا بان الحياة طبيعية ووردية وان شغلهم الشاغل وهمهم الأساس ومرادهم الذي يسعون اليه محصور فقط في قيامهم بواجب ضيفوهم . حتى نسائهم ( خوات رجال ) لم يشققن جيباً ، ولم تظهر عليهن علامات الحزن ، وإكتفين بأن لُذّْنَ بصمت يعلوه حزنا ناءت من حمله الجبال .
وأختم بما هو أجمل عن شيم الأردنيين بعدد من الأبيات لزميل الدراسة ، ورفيق الغربة الشاعر الشعبي المرحوم / فاضل الزعبي ، حيث يقول :—
شِدّوا على رحالكم
وإلفوا ع ديرة هلي
ملفاكم الخير
وطيب أهلي يحليها
هظول إحنا
الفخر يمشي بنواصينا
هظول إحنا زُلُمْ
وان ضاعت النخوة تلاقينا
إنجوع ونقسم اللقمة
ع ضيم وجوع نقسمها
ولا مرة مضافتنا إستحت بينا .

