صراحة نيوز- بقلم: جهاد مساعدة
لنكن أكثر دقّة، وأكثر قسوة، وأكثر صدقًا مع أنفسنا. نحن لا نعيش أزمة تعبير، ولا خلافًا في الرأي، ولا سوء فهم إعلامي. نحن نعيش اختيارًا جماعيًا واعيًا للخداع؛ خداعًا لا يُرتكب على استحياء، بل يُمارَس بوصفه موقفًا، ويُدافَع عنه كأنه قيمة.
السراب ليس مشكلة بحدّ ذاته. السراب كذبة كبيرة، والكذبة – في أصلها – هزيلة، لا تدوم طويلًا، ولا تقوى على الوقوف دون عكازٍ مكسور. المشكلة ليست في وهم السراب، بل في من ينفخ فيه، ويحمله على الأكتاف، ويمنحه وزنًا لم يكن له.
قال الله تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ ﴾.
ولم يكن اختيار القيعان عبثًا؛ فالقيعان أرض منبطحة، لا ترتفع، ولا تُربك العابر، ولا تُجبره على التوقّف. هي البيئة المثالية لمرور الزيف، ولتحوّل الكذب إلى طريق سريع بلا إشارات ولا مساءلة.
السراب وهمٌ نَحِط، لا يتقدّم لأنه قوي، بل لأنه متدنّي القيمة، فاقد للمعنى، ومفلس أخلاقيًا. لا يفرض نفسه بحجّة، بل يُستدعى في البيئات التي تُعطِّل العقل وتُكافئ السطحية. وفي قيعان السراب يُعاد تعريف المعايير: الصراخ يُحسب شجاعة، والاتهام يُعامل كقرينة، والتلميح يُكافأ بوصفه جرأة، بينما يُقصى التحقّق لأنه يفضح هشاشة الوهم ويُسقط ادّعاءاته بلا عناء.
وقال تعالى: ﴿ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً﴾.
والظمآن هنا ليس بريئًا؛ هو يعلم أن الرؤية مضطربة، ويعلم أن الركض أعمى، لكنه يختاره، لأن الوقوف يقتضي مواجهة الذات، والسؤال يفضح، والتوقّف يعرّي الشراكة الدنيئة.
السراب لا يصنع الخراب؛ إنه يعمل داخله. بعقول مرهقة، وضمائر مؤجَّلة، وأسئلة مُرحَّلة إلى إشعار آخر. ثم هناك من يغذّونه، لا بوصفهم ناقلين – فالناقل قد يجهل – بل وهم يعرفون. يعرفون أن ما يُرسَل نصف حقيقة، أو ربع كذبة، أو إشاعة مصقولة بعناية. يرسلونها لأن الصراخ المرتفع يمنحهم لحظة قوة، ولأن الوهم – حين يُصفَّق له – يُشعرهم بأنهم حاضرون، ولو بلا معنى.
ثم هناك الصنف الأخطر: الذين يصدّقون. لا لأنهم مخدوعون، بل لأن التصديق أسهل من التفكير، وأقل كلفة من الشك، وأريح من الوقوف في وجه القطيع.
هؤلاء لا يبحثون عن الحقيقة، بل عن رواية تريح ضميرهم، وتبرّر كسلهم، وتمنحهم إحساسًا زائفًا بالانتماء.
كلما كبرت الكذبة، ازداد السراب دناءة. وكلما تراجع العقل، لبس الوهم ثوب الحقيقة دون عناء.
ثم تأتي النهاية، قال تعالى: ﴿ حَتَّىٰ إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا﴾. وهنا لا تسقط الكذبة وحدها، بل تسقط البيئة التي صفّقت، والعقول التي صمتت، والضمائر التي اختارت السلامة على الحقيقة.
لنكن صريحين: المشكلة ليست في السراب. السراب مؤقّت بطبيعته ومحكوم بالزوال. المشكلة في القيعان التي ترفض أن تصبح أرضًا صلبة، لأن الصلابة تُتعب، وتُحاسب، وتكشف.
القيعان لا تُخدع؛ إنها تختار التواطؤ لأنها عاجزة عن الوقوف. وحين يتحوّل التواطؤ إلى ثقافة، لا تسألوا لماذا انتشر السراب، بل اسألوا لماذا تبنّته العقول الصدئة، ورأت فيه انعكاسها الطبيعي، واطمأنّت لوهمٍ يشبهها لأنه لا يطالبها بشيء. وجدت في الوهم ملاذًا، وفي الانحدار راحة، وفي الصلابة تهديدًا وجوديًا؛ فالصلابة تكشف الخلل، وتفرض المحاسبة، وتفضح العجز، وتكسر الأقنعة، وتُسقط آخر الأعذار أمام السلوك المنحدر.

