صراحة نيوز-لم يعد التوتر بين الرئيس اللبناني جوزيف عون وحزب الله مجرد اختلاف في الأولويات، بل أصبح عنوانًا لصراع أوسع على من يقرر في الدولة: المؤسسات الدستورية المنتخبة أم القوة المسلحة التي اعتادت فرض توازناتها بالقوة والفيتو السياسي، وفق مصادر سياسية لبنانية.
وأكدت المصادر أن خطاب عون في الذكرى الأولى لعهد الرئاسة لم يكن عشوائيًا، بل جاء بعد إدراك القصر أن سياسة المهادنة لم تغير شيئًا في سلوك حزب الله، وأن أي محاولة لتثبيت مفهوم الدولة ستصطدم عاجلًا أم آجلاً بما يصفونه فائض القوة لدى الحزب، خاصة في شمال الليطاني. وتعتبر هذه المنطقة بالنسبة للرئاسة اختبارًا حاسمًا للسيادة الوطنية، حيث يتحرك الحزب وكأنه خارج سلطة الدولة، لا خاضعًا للحكومة أو الجيش أو البرلمان.
وأوضحت المصادر أن دعوة عون للحزب بـ”التعقّل” فُهمت من قبل الأخير كإدانة سياسية أكثر منها نصيحة، خاصة مع تأكيد الرئيس على مبدأ حصر السلاح في الدولة كقاعدة لا تعلو عليها قاعدة. لكن الحزب لم يرد على هذه الدعوة سياسيًا، بل انتقل إلى خطاب متصاعد، في محاولة لإغلاق الباب أمام أي مسار يعيد الاعتبار للدولة.
وتشير المصادر إلى أن قنوات التواصل التقليدية بين الحزب وقصر بعبدا تجمّدت، مع بقاء خطوط اتصال محدودة تهدف فقط إلى تفادي انفجار شامل، بينما يرفض الحزب أي نقاش حول ملف شمال الليطاني، خوفًا من فتح أسئلة أكبر عن من يقرر الحرب والسلم وحدود الاشتباك.
وأكدت مصادر قريبة من الرئاسة أن عون لم يتخذ نبرة أكثر حزمًا بهدف تصعيد، بل لأن الواقع فرض عليه خيار تثبيت مرجعية الدولة تدريجيًا، بعد أن أدرك أن الحزب يريد من الدولة غطاء سياسي دون شراكة متوازنة، وأن أي تراجع عن مبدأ حصر السلاح سيؤدي إلى سقوط فكرة العهد كليًا وإعادة لبنان إلى نمط “الدولة المقيدة”.
ومن جهتها، تقول مصادر سياسية إن خطاب الأمين العام لحزب الله، الشيخ نعيم قاسم، كان رسالة داخلية قاسية للضغط على لبنان ومنع أي نقاش حول إعادة الاعتبار للدولة، مؤكدًا قدرة الحزب على تعطيل أي مسار لا يناسبه. وتشير المصادر إلى أن هذا الخطاب يكرس منطق “المعادلة الموازية”، حيث يجب على الدولة مراعاة الحزب بينما الحزب لا يشعر بأي التزام تجاه الدولة أو رئيسها.
ورغم التصعيد، لا تزال القطيعة الكاملة مستبعدة، لأن لبنان لا يحتمل انفجارًا دستوريًا بين الرئاسة وأقوى قوة مسلحة داخله. وتؤكد دوائر الرئاسة أن أي تراجع الآن سيعني خسارة العهد أمام اختبار السيادة الأول، وأن إدارة الملف ستستمر بأدوات محسوبة، مثل دعم دور الجيش وتثبيت خطاب الدولة، ومنع عودة سياسة “التهدئة مقابل الصمت”.
تختتم المصادر بالقول إن معركة شمال الليطاني ليست مجرد ملف أمني، بل اختبار سياسي حاسم لتحديد ما إذا كان لبنان سيعود إلى دولة بقرار واحد أم سيبقى تحت سيطرة سلاح يفرض شروطه على الجميع.

