صراحة نيوز- الدكتور احمد الهباهبه
في السنوات الأخيرة، بات مصطلح الهيكلة الوظيفية حاضرًا بقوة في مؤسسات القطاع العام، ومنها الوزارات الخدمية، تحت عناوين عريضة مثل: الإصلاح الإداري، رفع الكفاءة، وتطوير الأداء. إلا أن التطبيق العملي لهذا المفهوم يثير في كثير من الأحيان تساؤلات مشروعة حول جوهر الهيكلة وأهدافها الحقيقية، وهل تُمارَس فعلًا لمصلحة الوظيفة العامة أم تُستخدم بطرق تُفرغها من مضمونها الإصلاحي.
ما المقصود بالهيكلة الوظيفية؟
الهيكلة الوظيفية، من حيث المبدأ، هي عملية إعادة تنظيم للوظائف والمسميات والصلاحيات داخل المؤسسة، بما يحقق الانسجام بين المهام والقدرات، ويحد من الترهل الإداري، ويُحسن مستوى الإنجاز وجودة الخدمة المقدّمة للمواطن. وهي أداة تنظيمية وليست عقوبة، ووسيلة تطوير لا وسيلة إقصاء.
الهدف النظري للهيكلة
تهدف الهيكلة في صورتها السليمة إلى:
تعزيز الكفاءة المؤسسية
تحقيق العدالة الوظيفية
ربط المناصب بالكفاءة والخبرة
استثمار الخبرات المتراكمة
ضمان الاستقرار الإداري
تحسين الأداء العام دون المساس بكرامة الموظف
الإشكالية في التطبيق
تكمن الإشكالية حين تُطبق الهيكلة بطريقة انتقائية أو مفاجئة، لا تراعي المسار الوظيفي ولا تحترم الخبرة التراكمية. ومن أخطر صور ذلك ما يحدث عندما يتم:
تخفيض مهام وصلاحيات موظف بدرجة مدير عليا
نزع الامتيازات والحوافز دون مبرر مهني
وضعه تحت إدارة موظف كان بالأمس القريب أحد مرؤوسيه
دون وجود لفت نظر أو عقوبة أو تقصير مثبت
وهنا لا نكون أمام هيكلة، بل أمام إخلال بمبدأ العدالة الوظيفية، وضرب للاستقرار الإداري، وإحباط للكفاءات التي أفنت سنوات عمرها في خدمة المؤسسة والوطن.
الخبرة ليست عبئًا
الموظف الذي يمتلك خبرة طويلة، وباعًا مهنيًا ممتدًا، وانتماءً حقيقيًا لوظيفته ومؤسسته وبلده، لا يجوز النظر إليه كعبء إداري، خصوصًا إذا كان في نهاية خدمته الوظيفية وقريبًا من سن التقاعد. فمثل هذا الموظف يُفترض أن يكون:
مرجعية مهنية
عنصر توازن إداري
ناقل خبرة للأجيال الجديدة
لا أن يُهمَّش أو يُقصى بطريقة تُسيء إليه وإلى المؤسسة معًا.
لمن تُطبق الهيكلة؟
السؤال الجوهري الذي يطرحه الشارع الوظيفي اليوم هو:
لمن تُطبق الهيكلة؟ ولمصلحة من؟
هل هي:
لمصلحة تطوير الأداء؟
أم لإعادة توزيع المواقع؟
أم لتقليل الكلف المالية؟
أم لتصفية حسابات إدارية؟
الهيكلة التي لا تقوم على معايير شفافة، ولا تُخضع جميع القيادات للمساءلة نفسها، تفقد مشروعيتها وتتحول من أداة إصلاح إلى سبب في تراجع الأداء.
الخلاصة
الهيكلة الوظيفية، إن أُحسن استخدامها، تُسهم في تطوير المؤسسات ورفع كفاءة العمل العام. أما إذا أُسيء تطبيقها، فإنها:
تُحبط الموظف المجتهد
تُضعف الانتماء الوظيفي
تُهدر الخبرات الوطنية
وتُقوّض الثقة بالإصلاح الإداري
فالوظيفة العامة لا تُبنى بإلغاء الخبرات، بل باحترامها وتوظيفها، ولا تُطوَّر بإقصاء الكفاءات، بل بالاستفادة منها قبل أن تغادر مواقعها.إن الهيكلة الوظيفية، حين تُبنى على أسس مهنية عادلة ومعايير شفافة، تشكّل رافعة حقيقية للإصلاح الإداري وتطوير الأداء العام. أما حين تُطبّق بشكل انتقائي أو بعيد عن العدالة الوظيفية، فإنها تتحول من أداة إصلاح إلى سبب مباشر في إحباط الكفاءات الوطنية وإضعاف الانتماء المؤسسي.
فالخبرات المتراكمة ليست عبئًا إداريًا، بل ثروة وطنية يجب صونها واستثمارها، خصوصًا لدى القيادات التي أفنت سنوات عمرها في خدمة مؤسساتها وبلدها بكل إخلاص. ولا يمكن لأي مشروع إصلاحي أن ينجح إذا بُني على تهميش الكفاءات بدل تمكينها.
إن العدالة، والشفافية، واحترام المسار الوظيفي، هي الركائز الحقيقية لأي هيكلة ناجحة تخدم الموظف والمؤسسة والوطن على حد سواء.

