صراحة نيوز -د. ايمان الشمايلة
في مجتمعاتٍ اعتادت أن تُجمّل الواجهة، كثيرًا ما تُعامل بعض الآلام كأنها خطيئة لا كأنها مرض. ومن بين أكثر الآلام التي أُسيء فهمها واشتدّ عليها الحكم… الإدمان.
حين تُذكر كلمة الإدمان في بيتٍ ما، يتغيّر الهواء، ينخفض الصوت، وتبدأ كلمات ثقيلة مثل: “الفضيحة”، “العار”، “السمعة”، “الناس”. وكأن المشكلة ليست في المرض… بل في كلام الآخرين عنه.
لكن الحقيقة التي يجب أن تُقال بلا خوف:
الإدمان ليس عارًا… بل جرحٌ يحتاج علاجًا.
جرحٌ قد يصيب أي إنسان، مهما كان تاريخه نظيفًا، ومهما كانت صورته جميلة، ومهما كان قلبه طيبًا.
لماذا نخجل من الإدمان؟
نخجل لأننا ورثنا ثقافة تخلط بين المرض والأخلاق. فإذا مرض الإنسان جسديًا قلنا: “الله يشفيه”، أما إذا وقع في الإدمان قلنا: “هو السبب… هو اختار… هو يستحق”. نخجل لأننا نخاف من المجتمع أكثر مما نخاف على الإنسان، ونضع “السمعة” فوق “الروح”، وننسى أن بعض السقوط ليس سقوطًا أخلاقيًا… بل انهيار داخلي يحتاج احتواء.
الإدمان: حين يتحول الألم إلى طريقٍ خاطئ
ليس كل من أدمن كان يبحث عن المتعة، بل كثيرون دخلوه بحثًا عن هدنة من القلق، أو صمت يوقف الضجيج الداخلي، أو لحظة نسيان من صدمة قديمة. ثم يتحول الأمر تدريجيًا: ما كان هروبًا يصبح قيدًا، وما كان حلًا مؤقتًا يصبح سجنًا، وما كان خطأ صغيرًا يصبح مرضًا لا يرحم.
الخجل لا يعالج… الخجل يقتل، أخطر ما يواجهه الإنسان في الإدمان ليس المادة وحدها، بل شعوره أنه أصبح أقل قيمة وأقل احترامًا. وحين يشعر أنه “فضيحة” لن يطلب علاجًا، ولن يعترف، وسيبتلع ألمه وحده حتى يصل إلى مرحلة يصبح فيها الألم أكبر من قدرته على الاحتمال.
ولهذا يجب أن نفهم: نحن لا نخسر أشخاصًا بسبب الإدمان فقط، بل نخسرهم بسبب الصمت والقسوة وخوفنا من كلام الناس.
المدمن إنسانٌ متعب… لا شخصٌ سيئ
المدمن ليس شيطانًا ولا مشروع فضيحة، بل إنسان متعب اختلطت عليه الطرق، وربما كان داخله طفل خائف أو قلب محطم أو روح ضاقت بها الدنيا. الإدمان لا يُلغي إنسانية الإنسان، بل يكشف حاجته للرحمة. والأمانة الأخلاقية ليست في الإدانة، بل في الإمساك بيده قبل أن يسقط أكثر.
العلاج شجاعة… لا ضعف
أجمل ما يمكن أن يحدث لإنسان وقع في الإدمان أن يصل إلى لحظة يقول فيها: “أنا أحتاج مساعدة”. هذه ليست لحظة انهيار… بل لحظة ولادة. فالعلاج ليس فضيحة، والاعتراف ليس عيبًا، وطلب المساندة ليس سقوطًا، بل هو أعلى درجات القوة.
دور الأسرة والمجتمع
الأسرة هي أول مكان إما أن ينقذ الإنسان أو يكسره. فإن وجد قلبًا يسمع، وصوتًا يطمئن، وعينًا لا تفضح، وبابًا لا يُغلق… أصبح التعافي ممكنًا.
والمجتمع الواعي لا يحاكم المتعب، ولا يتلذذ بالحكايات، بل يدرك أن الإدمان قد يطرق أبواب أي بيت، وأن الرقي الحقيقي هو حماية المريض لا فضحه.
الإدمان ليس هوية ولا قدرًا أبديًا. إنه جرح، والجرح لا يُشفى بالخجل ولا بالإدانة ولا بالصمت، بل يُشفى حين يجد علاجًا… وحين يجد رحمة.
فلنبدّل سؤالنا من: “ماذا سيقول الناس؟”
إلى: “كيف ننقذ هذا الإنسان؟”
لأن الإنسان أغلى من السمعة، وأثمن من الكلام، ومن ابتُلي بالإدمان لا يحتاج أن نخجل منه… بل يحتاج أن نقف معه حتى يعود إلى الحياة.

