قانون التنفيذ الشرعي الأردني المعدل بين تسريع الفصل في المنازعات وتحقيق العدالة الشرعية

3 د للقراءة
3 د للقراءة
قانون التنفيذ الشرعي الأردني المعدل بين تسريع الفصل في المنازعات وتحقيق العدالة الشرعية

صراحة نيوز-بقلم الاستاذه ساره سامر العطيات

يُعدّ قانون التنفيذ الشرعي الأردني أحد الركائز الأساسية في منظومة القضاء الشرعي، إذ يشكّل الأداة القانونية التي تُترجم الأحكام والقرارات الشرعية إلى واقع عملي مُلزم، ويكفل حماية الحقوق الناتجة عن الأحوال الشخصية، بما يشمل الحقوق المالية، وحقوق النفقة، والحضانة، والمهر، وسائر الالتزامات الشرعية.

وقد جاءت التعديلات الأخيرة على قانون التنفيذ الشرعي استجابةً لحاجة ملحّة فرضها الواقع العملي، بهدف معالجة البطء في إجراءات التنفيذ، وتعزيز فعالية الأحكام الشرعية، وتحقيق التوازن بين مصلحة الدائن وحماية المدين، ضمن إطار ينسجم مع مقاصد الشريعة الإسلامية ومبادئ العدالة.

أولًا: فلسفة التعديل وأسبابه

انطلقت التعديلات من إدراك المشرّع لخصوصية الأحكام الشرعية، ولا سيما تلك المتعلقة بالنفقة والحقوق الأسرية، التي يرتبط التأخير في تنفيذها بأضرار اجتماعية وإنسانية جسيمة. فكان لا بد من تطوير أدوات التنفيذ بما يضمن السرعة والمرونة، دون الإخلال بالضمانات القانونية المكفولة للأطراف.

كما هدفت التعديلات إلى الحد من التحايل على التنفيذ، وتقييد إساءة استعمال الحق في الامتناع عن التنفيذ، لا سيما في القضايا التي يكون فيها المحكوم عليه قادرًا على الوفاء، لكنه يتعمد المماطلة.

ثانيًا: أبرز ملامح التعديلات

من أهم ما جاءت به التعديلات تعزيز صلاحيات قاضي التنفيذ الشرعي، ومنحه دورًا أكثر فاعلية في إدارة ملف التنفيذ، واتخاذ الإجراءات الكفيلة بإلزام المحكوم عليه بالتنفيذ، بما في ذلك استخدام وسائل الضغط المشروعة التي نص عليها القانون.

كما أولت التعديلات اهتمامًا خاصًا بتنفيذ أحكام النفقة، من خلال تبسيط إجراءاتها، وإعطائها أولوية في التنفيذ، نظرًا لارتباطها بالحق في العيش الكريم، وباعتبارها من الحقوق المستعجلة التي لا تحتمل التأخير.

كذلك نظّم القانون المعدل إجراءات الحبس التنفيذي بضوابط أكثر دقة، بما يحقق الردع دون تعسف، ويراعي الحالة المالية للمحكوم عليه، ويُفسح المجال أمام التسوية والوفاء التدريجي متى ثبت حسن النية.

ثالثًا: التوازن بين العدالة والرحمة

حرص المشرّع في التعديلات على مراعاة البعد الإنساني، فوازن بين حق الدائن في استيفاء حقه، وحق المدين في عدم التعسف في استعمال إجراءات التنفيذ ضده، انسجامًا مع القاعدة الشرعية التي تقضي برفع الحرج، وعدم الإضرار، وتحقيق العدل بين الخصوم.

ويظهر هذا التوازن جليًا في النصوص التي تتيح لقاضي التنفيذ تقدير الظروف الخاصة لكل حالة، وتمكينه من اتخاذ القرار الأنسب بما يحقق مقاصد الشريعة في حفظ النفس والمال والأسرة.

رابعًا: أثر التعديلات على الواقع العملي

أسهمت التعديلات في تحسين كفاءة التنفيذ الشرعي، وتقليل مدد الفصل في طلبات التنفيذ، وتعزيز ثقة المتقاضين بالقضاء الشرعي، باعتباره قضاءً قادرًا على إنصاف أصحاب الحقوق، لا الاكتفاء بإصدار الأحكام دون ضمان تنفيذها.

كما شكّلت هذه التعديلات خطوة متقدمة نحو تطوير التشريع الشرعي بما يتلاءم مع متطلبات العصر، دون المساس بثوابته أو أصوله
وختاماً
إن قانون التنفيذ الشرعي الأردني المعدل يعكس توجّهًا تشريعيًا واعيًا نحو تحقيق عدالة ناجزة، تجمع بين الحزم في استيفاء الحقوق، والمرونة في مراعاة الظروف الإنسانية. وهو بذلك يشكّل نموذجًا لتحديث التشريع الشرعي بما يخدم المجتمع ويحفظ كيان الأسرة، ويؤكد أن العدالة الشرعية ليست مجرد أحكام مكتوبة، بل منظومة متكاملة تُقاس بقدرتها على النفاذ إلى أرض الواقع.

Share This Article