صراحة نيوز- بقلم / عاطف أبو حجر
ما إن يلوّح الربيع بأكمامه الخضراء، حتى كانت بوصلة أهلنا تنحرف تلقائيًا نحو البراري، وكأن نداءً سرّيًا يُبثّ من باطن الأرض لا يلتقطه إلا من تمرّس في لغة الشوك والتراب. لم يكن الربيع عندهم فصل زهور ونزهات، بل موسم استنفار عام، تُسنّ فيه السكاكين، وتُحضَّر الأكياس، وتُستدعى الظهور القوية، استعدادًا لمعركة مقدسة اسمها: عكوب البراري.
كانوا يخرجون فجرًا، قبل أن تستفيق الشمس من نعاسها، وكأن العكوب كائن ماكر لا يُؤخذ إلا على غفلة. يمشون بين التلال، ينحنون، ينهضون، يئنّون، ويعودون للانحناء من جديد، في طقسٍ يشبه اليوغا الريفية، لكن بلا فلسفة… فقط بهدف واحد: ملء الكيس ولو بنصفه، فالعكوب لا يُعطي نفسه بسهولة.
ونحن صغارًا كنا نراقب المشهد بإعجاب ممزوج بالشفقة: كيف لإنسان عاقل أن يطارد نبتة شوكية، تُدمي يديه، وتستفزّ ظهره، ثم يعود بها منتصرًا وكأنه اصطاد غزالًا؟ لكننا كنّا نجهل أن ما يُحمل على الأكتاف ليس مجرد نبات، بل ذاكرة موسمية كاملة.
وكما يعرف الجميع، فإن العكوب نبات بري شوكي، ينمو في بلادنا، ويظهر مع بدايات الربيع. يتميّز بساقه الغضّة المغطاة بالأشواك، ورأسه الذي يُقطف قبل التفتح. ورغم شكله العدائي، إلا أنه يُعدّ من أطيب النباتات البرية وأكثرها طلبًا.
يُعرف العكوب بقيمته الغذائية العالية؛ فهو غني بالألياف، ويُعتقد شعبيًا أنه مفيد للهضم، ومقوٍّ للجسم، حتى إن بعضهم كان يعتبره “دواءً موسميًا” أكثر منه طعامًا.
جمع العكوب نزهة مقارنةً بما بعده، فالتحدي الأكبر يبدأ عند الجلوس لتنظيفه. هنا تتبدّى ملامح الصبر الحقيقي: أيادٍ مثقوبة، وأشواك عنيدة، وعبارات تذمّر لا تُقال إلا في حضرة العكوب. ومع ذلك، كانت الأمهات يُكملن المهمة بإصرار عجيب، وكأن التراجع خيانة للربيع نفسه.
أشهر طرق طهي العكوب هي العكوب باللبن، والنتيجة؟ طبق لا يُنسى، بطعمٍ يُكافئ كل شوكة سبقتْه.
لم يكن العكوب مجرد طبق موسمي، بل حكاية تعبٍ مشترك، وطقسًا عائليًا، ودليلًا على علاقة صادقة بين الإنسان والأرض. كانوا يعرفون أن ما يُؤخذ من البرّ لا يأتي بلا ثمن، وأن اللقمة الطيبة تبدأ بظهرٍ منحنٍ وصبرٍ طويل.
واليوم، حين نشتري العكوب جاهزًا من السوق، بلا شوك ولا جروح، نتساءل في سرّنا:
هل فقد العكوب شيئًا من طعمه؟
أم أننا نحن من فقدنا طعم التعب الجميل؟

