صراحة نيوز – كتب صالح الشّراب العبادي
لم يعد الغضب الشعبي من ارتفاع الأسعار مجرد تذمّر عابر، بل أصبح تعبيرًا عن شعور عام بأن كفّة السوق تميل بثقلها نحو قلةٍ تحتكر وتتحكم، بينما يقف المستهلك أعزل أمام موجات تسعير لا يفهم منطقها ، المشكلة لم تعد في ارتفاعٍ عالمي أو اضطراب سلاسل التوريد فحسب، بل في طريقة استثمار بعض التجار لهذه الظروف لتحويل الأزمات إلى فرص تضخيم أرباح.
أول الخلل يكمن في ضعف المنافسة الحقيقية ، حين تتركز السلع الأساسية في يد عدد محدود من الموردين، يصبح التسعير أقرب إلى التنسيق الضمني منه إلى العرض والطلب ، في مثل هذه البيئة، لا يحتاج “الحوت” إلى إعلان احتكاره؛ يكفي أن يملك مفاتيح التوريد ليصنع سقف السعر الذي يشاء ، هنا يفقد السوق روحه التنافسية، ويتحوّل إلى دائرة مغلقة لا يدخلها إلا من يملك رأس المال والنفوذ.
ثانيًا، الرقابة الشكلية لا تصنع عدالة سعرية ، وجود قوانين لا يعني بالضرورة وجود تطبيق صارم ، حين تكتفي الجهات الرقابية بردود الفعل المتأخرة، أو بحملات موسمية، فإنها تترك فراغًا تستثمره عقلية الربح السريع. حماية المستهلك ليست بيانًا صحفيًا، بل منظومة رصد يومي، وشفافية في إعلان هوامش الربح، وعقوبات رادعة تُشعر المخالف أن الكلفة أعلى من المنفعة.
ثالثًا، غياب الشفافية في كُلف الاستيراد والنقل والضرائب يفتح الباب أمام المبالغة ، المستهلك لا يرفض الربح المشروع، لكنه يرفض أن يتحمّل تضخيمًا غير مبرر. في الاقتصادات المستقرة، تُعلن الكُلف بوضوح، ويُحاسب من يثبت استغلاله للأزمات. أما حين تبقى الأرقام في الظل، فإن الشك يتحول إلى قناعة بأن هناك من يضاعف الفاتورة على حساب دخل ثابت لا يتضاعف.
المسألة ليست اقتصادية فقط، بل اجتماعية وأمنية أيضًا ، فاستمرار الضغط المعيشي يولد احتقانًا، ويقوّض الثقة بين المواطن والسوق، بل بين المواطن والدولة. السوق العادل جزء من الاستقرار الوطني، لأن العدالة السعرية تعني شعورًا بالإنصاف، لا شعورًا بالافتراس.
الحل لا يكمن في شيطنة التجارة، فالتاجر شريك في التنمية، لكن الشراكة تقوم على المسؤولية ، المطلوب بيئة تنافسية حقيقية، وتشريعات واضحة تُفعّل بلا استثناء، وإرادة رقابية لا تخضع لضغوط “الحيتان”. عندها فقط يمكن أن نقول إننا نحمي المستهلك حقًا، لا أننا نتركه فريسة في سوقٍ تحكمه شريعة الأقوى.
المواطن أيضًا عليه مسؤولية؛ فالتهافت غير المبرر، خاصة قبيل رمضان، يمنح الجشع مبرراته ويغذي شهية الاحتكار.
المقاطعة الواعية والاعتدال في الاستهلاك ليسا خيارًا أخلاقيًا فقط، بل أداة ضغط حقيقية تعيد للسوق توازنه وتكبح شهية المستغلين.
السؤال ليس: لماذا يغضب المواطن؟
بل: لماذا يُترك السوق بلا ميزان عدالة واضح ، وبدون رقابة حقيقة شاملة ..

