صراحة نيوز-يقف المسجد الحميدي في قلب الطفيلة شاهدًا حيًا على تاريخ المدينة منذ تأسيسه عام 1897، محافظًا على طابعه المعماري الإسلامي الأصيل، ومجسدًا حضورًا دينيًا وتراثيًا متواصلًا لأكثر من 129 عامًا.
ورغم مساحته المحدودة وأروقته الضيقة، لا يزال المسجد مقصدًا رئيسيًا للمصلين، خاصة خلال شهر رمضان المبارك، حيث تتضاعف أعداد رواده لإحياء الليالي الفضيلة، وأداء الصلوات، وحضور دروس الوعظ والإرشاد، في أجواء روحانية يختلط فيها الخشوع بعبق التاريخ.
ويؤكد مصلون أن للمسجد الحميدي خصوصية متفردة تنبع من قدمه وبساطة بنائه، إلى جانب الروابط الاجتماعية التي تتجلى في ساحاته، إذ يحرص عدد من أبناء المنطقة على توفير وجبتي الإفطار والسحور لرواده وعابري السبيل خلال شهر رمضان، في صورة تعكس قيم التكافل الاجتماعي المتجذرة في وجدان أهالي الطفيلة.
من جانبه، أوضح مدير أوقاف الطفيلة الدكتور لؤي الذنيبات أن المسجد يحظى باهتمام مستمر من وزارة الأوقاف، شمل تنفيذ مشروع للطاقة الشمسية، إضافة إلى إعداد تصاميم هندسية لمئذنة جديدة تنسجم مع طابعه التراثي. وأشار إلى أن المسجد يُعد من أبرز المعالم الدينية في المحافظة، لما يتميز به من طراز معماري إسلامي فريد، وأقواس وعقود وأعمدة ضخمة تتوسطه، تعكس مهارة هندسية أسهمت في صموده عبر عقود طويلة.
وتبلغ المساحة الإجمالية للمسجد وساحته الخارجية نحو 300 متر مربع، ويتسع لحوالي 350 مصليًا. وكان قد خضع قبل سنوات لأعمال صيانة وإعادة تأهيل نفذها أهالي المنطقة وأهل الخير، عقب انهيار إحدى واجهاته، حفاظًا على قيمته الدينية والتاريخية.
ويقع المسجد في الجهة الشرقية من وسط المدينة، بالقرب من مبنى السرايا القديمة، وقد بُني على نفقة أهالي الطفيلة الذين جمعوا التبرعات لإنشائه، بإشراف قائمقام القضاء آنذاك عبد الغني باشا القباني، الذي خدم في الطفيلة بين عامي 1896 و1903، بحسب ما أورده الكاتب سليمان القوابعة.
وشُيّد المسجد في عهد السلطان العثماني عبدالحميد الثاني، على الطراز المعماري الإسلامي، بأسلوب يقارب بعض مساجد حلب والرقة، كما يقترب تصميمه من المسجد الحميدي في الكرك، ويوجد مسجد آخر يحمل الاسم ذاته في جرش بُني في الحقبة ذاتها.
وبُني المسجد من الحجر والطين، ويتميز بسقف يتكوّن من عدة قباب ترتكز على قاعدتين رئيسيتين في الوسط وقواعد جانبية على الجدران، إذ يبلغ سمك القواعد 95×95 سم، فيما يصل سمك الجدران إلى نحو 90 سم. وتعلو مدخله لوحة حجرية تؤرخ لتاريخ إنشائه، وتتضمن أربعة أبيات شعرية توثق هذه المناسبة.
واليوم، يواصل المسجد الحميدي أداء رسالته الدينية والاجتماعية، جامعًا بين أصالة المكان وروح الانتماء، ليبقى معلمًا بارزًا في الطفيلة، وذاكرة حية تختزن تاريخ المدينة وتحفظ إرثها للأجيال القادمة.

