صراحة نيوز- د حمزة الشيخ حسين
في قلب إربد، وتحديدًا في وسطها القديم، يعود شهر رمضان كل عام محمّلًا بذاكرة لا تشيخ. ليست مجرد أيام صيام وإفطار، بل حكاية مدينة كانت تعرف أبناءها واحدًا واحدًا، دون حاجة لسؤال أو تعريف. كانت الملامح تكفي، والأسماء محفوظة في القلوب قبل الذاكرة.
مع بداية رمضان، وبين أزقة السوق القديم، تعود الصور كما لو أنها لم تغب يومًا. الخضار المصطفة، أصوات الباعة، ورائحة الأرض التي تعرف خطوات أهلها. هناك، تلتقي الوجوه التي شكّلت ملامح المكان: التل، حجازي، إرشيدات، عبندة، الدلقموني، الشرايري، خريس، الحتاملة، السكران، الشيخ حسين، أبو سالم، كريزم، أبو دولة، الجمل، الجيزاوي، الحيلواني، الشبار، شوتر، آغا، الكردي، شرقطلي، الرجال، بيبرس، جمعة، الرواس، حداد، الحكيم، صباغ، محايري، مرزوقة، أبو سليم، سوسان، دركل، سكرية، صبح… وغيرهم من أبناء وسط المدينة الذين شكّلوا نسيجها الحقيقي.
كان مدفع رمضان، على ظهر التل، علامة لا تخطئها ذاكرة. صوته المدوي كان يعلن لحظة الفرح، لحظة الإفطار، فيما كان الأطفال يتفرقون مسرعين نحو بيوتهم، تتقدمهم ضحكاتهم وتسبقهم خطواتهم. كنا هناك… بين تلك الجموع الصغيرة، نركض بلا هم، نحمل معنا بساطة الأيام ونقاءها.
لم يكن رمضان آنذاك مجرد طقوس، بل كان حياة كاملة. الهريسة من “أبو رسول”، وعرق السوس من الزعبي، والتمر الذي لا يكتمل الإفطار بدونه… كانت النكهة مختلفة، وكأن للزمن طعمًا آخر. ولم تكن الموائد تُعد داخل البيوت فقط، بل كانت تمتد بين الجيران؛ أطباق تتنقل بمحبة، وأيادٍ تعطي دون حساب.
في الحارات، كانت الطفولة تكتب فصولها الخاصة. لعبٌ لا ينتهي مع أبناء الحي: لؤي طوالبة وأخوه أحمد – رحمه الله – وخلدون وزيدون، وأمجد الدلقموني، وعصام ومحمد الحموري، وأبناء العزام، وسليمان وسامر ومجدي وباسل ومحمد وزكي البطاينة. أسماء ما زالت تنبض بالحياة، لأن الذكريات لا تموت.
كانت البساطة هي السمة الأبرز. لا تكلف، لا تصنّع، بل حياة تُعاش كما هي. رمضان كان يجمع الجميع، كبارًا وصغارًا، تحت مظلة واحدة من المحبة والطمأنينة. وكانت الطقوس الرمضانية في إربد تُمارس بعفوية، لكنها عميقة الجذور، تُبنى عليها معاني الانتماء الحقيقي.
اليوم، قد تتغير التفاصيل، وتتبدل ملامح المكان، لكن الجوهر يبقى كما هو. فالوطنية لا تُقاس بالشعارات، بل تُقاس بحب الناس لأهلهم وأحيائهم وذكرياتهم. وهكذا كان شهر رمضان في إربد… وهكذا سيبقى، ما بقي في القلب متسع لذاكرة لا تنسى…

