صراحة نيوز- بقلم: خليل قطيشات
تشهد بعض الجامعات في الآونة الأخيرة توسعًا ملحوظًا في تدريس المواد الجامعية بصيغة مكثفة أو ضمن أطر زمنية مضغوطة، في خطوة تُقدَّم على أنها استجابة لضرورات المرونة الأكاديمية وتسريع تخرّج الطلبة. غير أن هذه الممارسة تثير تساؤلات جوهرية حول أثرها الحقيقي في جودة التعليم العالي ومخرجاته.
إن غياب الرقابة الفاعلة من بعض عمداء الكليات والإدارات الأكاديمية على آليات تنفيذ الخطط الدراسية، ومدى التزام أعضاء هيئة التدريس بإعطاء المادة حقها الكامل من الشرح والتطبيق والتقييم، ينعكس سلبًا على الطلبة. فالطالب الذي لا يتلقى محتوى متكاملًا، ولا يخضع لتقييم عادل وشامل، قد يجد نفسه لاحقًا أمام فجوة معرفية تظهر بوضوح في مقابلات التعيين أو في بيئة العمل.
لا شك أن التطوير مطلب ملحّ في ظل التحولات المتسارعة في أنماط التعليم، خاصة مع تنامي التعليم المدمج والإلكتروني، وازدياد أعداد الطلبة العاملين الذين يحتاجون إلى مسارات أكثر مرونة. غير أن جوهر العملية التعليمية لا يقوم على ضغط الزمن بقدر ما يقوم على عمق الفهم، وتراكم الخبرة، وبناء المهارات بصورة تدريجية ومتوازنة.
فجودة التعليم لا تُقاس بعدد الساعات المنجزة أو بسرعة إنهاء المقرر، بل بمدى تحقق نواتج التعلّم، وفاعلية التفاعل داخل القاعة الدراسية، وسلامة أدوات التقييم وموضوعيتها. وأي توسع في الصيغ المكثفة دون ضوابط واضحة ومعايير دقيقة، قد يؤدي إلى فجوة بين ما يُعلن من مخرجات تعليمية وما يتحقق فعليًا على أرض الواقع.
إن القضية ليست رفضًا للتحديث، ولا دعوة للجمود، بل تأكيد على أن المرونة الأكاديمية يجب أن تسير جنبًا إلى جنب مع رقابة جودة صارمة، ومعايير وطنية واضحة، تضمن العدالة وتكافؤ الفرص بين الطلبة والمؤسسات. فشكوى بعض الطلبة من عدم إعطاء المادة حقها ليست تفصيلًا عابرًا، بل مؤشرًا يستحق الوقوف عنده، خاصة عندما ينعكس ذلك في ضعف الأداء المهني أو الإخفاق في مقابلات التوظيف.
تدريس المواد الجامعية المكثفة… المرونة المطلوبة أم تحدّي الجودة؟

