صراحة نيوز- أنس الرواشدة
شهد التاريخ البشري تحولات جذرية أعادت تشكيل خريطة القوة والتأثير الحضاري. في فترة زمنية امتدت لقرون، تزامنت فترة من السبات الفكري والركود العلمي في أوروبا، والتي غالباً ما يشار إليها بالعصور المظلمة، مع بزوغ فجر الحضارة الإسلامية التي انطلقت لتقود العالم ليس بالقوة العسكرية فحسب، بل بالمنهج العلمي والأخلاق الإنسانية التي نادى بها الإسلام. لكن المفارقة التاريخية تكمن في أن هذا التقدم الإسلامي، الذي نشر النور والمعرفة، يقابله سعي حثيث من الغرب، في عصره الحديث والتنموي، لفرض حالة من التجهيل والتفرقة على العالم العربي والإسلامي. هذه المقالة ستتناول الدور الريادي الذي لعبه الإسلام في قيادة العالم خلال عصور الركود الغربي، وكيف تحولت البوصلة لتشهد جهوداً غربية منهجية لتأخير الأمة العربية في عصر التطور الحالي.
عندما كانت أوروبا تعيش تحت وطأة الإقطاع والانقسامات الداخلية، ويعاني العلم من التراجع تحت هيمنة التفسيرات الجامدة، كان العالم الإسلامي يشهد ما يعرف بالعصر الذهبي للإسلام. من بغداد ودمشق وقرطبة، انطلقت منارات العلم التي أضاءت دروب الفكر البشري. لم يقتصر الإنجاز الإسلامي على الحفاظ على إرث الحضارات القديمة من اليونان والفرس والرومان فحسب، بل تجاوزته إلى تطويرات أصيلة في مجالات الطب، والرياضيات، والفلك، والكيمياء. إن أعمال ابن سينا في الطب، والخوارزمي في الجبر، وابن الهيثم في البصريات، لم تكن مجرد إضافات بسيطة، بل كانت قفزات نوعية شكلت الأساس الذي قامت عليه النهضة الأوروبية لاحقاً. كان العدل، المستمد من الشريعة الإسلامية، هو الركيزة التي ضمنت التعايش بين مكونات المجتمع المتنوعة، حيث ازدهر أهل الذمة ومارسوا شعائرهم بحرية نسبية لم تكن متاحة في كثير من أنحاء أوروبا المعاصرة آنذاك. لقد كان الإسلام منظومة حضارية متكاملة تقدم نموذجاً للحكم الرشيد القائم على العلم والرحمة.
أما أوروبا، التي كانت تستقي المعرفة شيئاً فشيئاً من الترجمات والنقول عن المصادر الإسلامية، فقد بدأت رحلتها نحو التنوير والتقدم، وهو ما عرف لاحقاً بعصر النهضة الأوروبية. هذا التقدم الغربي، الذي كان مدينًا جزئيًا لجهود العلماء المسلمين، أدى إلى تحول كبير في موازين القوى العالمية. ومع تفوق الغرب التقني والعسكري في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، تغيرت طبيعة العلاقة بين الشرق والغرب من علاقة تبادل معرفي إلى علاقة هيمنة استعمارية.
وهنا تبدأ مرحلة التناقض التاريخي المُرير. فبمجرد أن أحكم الغرب سيطرته على معظم العالم العربي والإسلامي، إما بشكل مباشر أو غير مباشر عبر الهيمنة الاقتصادية والسياسية، تحول الهدف من نشر العلم إلى سياسة ممنهجة للتجهيل والتفرقة. لقد أدرك المستعمرون أن قوة الأمة تكمن في وحدتها المعرفية والاجتماعية، وأن تفكيك هذه الوحدة هو المفتاح للاستدامة السيطرة.
تجسدت سياسات التجهيل في عدة محاور. أولاً، محاربة اللغة العربية، لغة القرآن والعلم التقليدي، وتقويض مكانتها في المؤسسات التعليمية والإدارية لصالح لغات المستعمر، مما خلق فجوة بين الأجيال والنخب. ثانياً، إعادة كتابة التاريخ بطريقة تجعل المجتمعات العربية تشكك في مجدها السابق، وتصور عصور ازدهارها على أنها عصور مظلمة أو استثنائية لم تتكرر، بهدف إثارة الشعور بالنقص والدونية المعرفية.
أما التفرقة، فقد كانت سلاحاً فعالاً تم استخدامه ببراعة. عملت القوى الغربية على إثارة النعرات المذهبية والعرقية التي كانت غالباً ما تكون هامشية في الحياة العامة قبل التدخل الخارجي. سواء كانت تفرقة بين السنة والشيعة، أو بين العرب والأكراد، أو بين المجموعات العرقية المختلفة، فإن الهدف كان واحداً: منع تشكيل جبهة عربية إسلامية موحدة قادرة على المقاومة الفكرية والسياسية. لقد أصبحت الانقسامات الداخلية المدعومة أو الممولة خارجياً عائقاً أساسياً أمام أي محاولة نهوض حقيقية.
في عصرنا الحالي، عصر التطور التكنولوجي الهائل، نجد أن العالم العربي لا يزال يعاني من تبعات هذه السياسات القديمة والجديدة. بينما يتقدم الغرب بعلومه، نجد أن الكثير من الموارد العربية توجه نحو صراعات داخلية مفتعلة، وتتشابك الأجندات التنموية مع أجندات التبعية الاقتصادية. إن الرغبة الغربية في استمرار التبعية الفكرية والتقنية تفرض استراتيجيات تضمن بقاء العرب كمستهلكين للمنتجات الغربية بدلاً من أن يكونوا منتجين للمعرفة. هذا التخلف ليس قدراً محتوماً، بل هو نتاج لسياسات ممنهجة تهدف إلى الحفاظ على هيمنة حضارية واقتصادية.
ختاماً، إن المقارنة بين عصور قيادة الإسلام للعالم، حيث كان العلم والعدل هما القوة الدافعة، وبين العصر الحديث الذي يشهد استمرار محاولات التجهيل والتفرقة العربية على يد قوى غربية تدعي الريادة التنموية، تكشف عن تناقض صارخ في المعايير الأخلاقية والسياسية. إن النهوض العربي المنشود لا يمكن أن يتحقق إلا بالعودة الواعية إلى قيم العلم والوحدة التي ميزت عصور ازدهار الأمة، ومقاومة كل محاولات استلاب الهوية وتفتيت الصفوف، وهو ما يمثل التحدي الأكبر أمام الأجيال الحالية والمستقبلية.

