صراحة نيوز- جهاد المومني
إذا كانت الحرب خدعة كما تقول فلسفة الحروب في أبسط قواعدها، فإن من الحكمة النجاة منها وتجنبها بممارسة أقصى درجات الحذر في تصرفاتنا وقراراتنا بحيث لا نقدم للخصوم ذريعة لإدخالنا في نزاع لسنا طرفًا فيه ولا مستعدين له أو غير قادرين على تجاوزه بأقل الخسائر، وسواء كنا حكومات أو أحزابًا أو أفرادًا علينا أن نتحلى بدرجة عالية من فهم الواقع من حولنا وما طرأ عليه من متغيرات تستدعي الانحناء للعاصفة حتى تمر.
وأنا هنا أوجّه رسالة إلى الداخل الوطني وأحذر من نبرة المواجهة التي يجترحها البعض دونما تفكير في النتائج التي قد تترتب على الشجاعة غير المفيدة والعناد بلا طائل، خاصة حين ينادي البعض بتحدي القوة الغاشمة في زمن نحتاج فيه إلى المهادنة والتحايل واقتناص الفرصة كي نلتفت إلى شؤوننا ونتفقد أطراف بيتنا لسد كل ثغرة قد يستغلها الأعداء للنفاذ منها إلى وحدتنا وسيادتنا ومنجزاتنا التي حققناها بشق الأنفس.
إن من الوطنية الصادقة استشعار الخطر عندما تكون المواجهة في غير سياقها ومكلفة وفوق طاقتنا، خاصة أننا لا نتعرض لتهديد مباشر، ومن مسلمات النجاة اللجوء إلى المناورة والتزام خفض التصعيد حتى تنقشع الغمامة السوداء التي تلبد أجواء المنطقة بأسرها، ومن قال إن أعداء الأردن لا يتحينون الفرصة لتكبيدنا أثمان مواقفنا المشرفة من حرب الإبادة على غزة، ومن قال إن أعداءنا يحترمون المواثيق والاتفاقيات، ثم ما هي ضماناتنا غير الحكمة فيما نقرر ونفعل ونقول، والكلمة في هذه الحالة – سواء قيلت أو كتبت – فإنها في استراتيجيات النجاة تضاهي المقاومة، والطريق الأسلم للعبور إلى بر الأمان دون أن نكون مجبرين على مواجهة مؤلمة في نتائجها.
كل أردني معني بأمن وسيادة الوطن، وعلى كل حزب أو نقابة أو تجمع مدني أن يتحلى بالمسؤولية والواقعية ويتعظ من تجارب الآخرين خلف حدودنا وكيف أن دولًا سادتها الفوضى وغدت ساحة للتجاذبات السياسية المتطرفة والصراعات الدموية لتقاسم القرار الوطني والطمع في السلطة، تجارب مريرة ومكلفة جدًا سببها السماح بالاختراقات بتلقي التوجيهات الخارجية والدعوة للمجازفات غير المحسوبة والجنوح إلى الفوضى وأحيانًا القومية الفائضة عن الحاجة على حساب الوطنية، ومن مقدمات ذلك تغريب الولاء والإصرار على معاندة الدولة والطعن في أحكامها وعدم الاعتراف بولايتها وبما تتخذه من قرارات بناءً على ما تملك من معطيات هي الأقدر على فهمها وتقدير تبعاتها السياسية والأمنية والاقتصادية والاجتماعية.
الدولة الأردنية ليست طرفًا في الحرب الدائرة وتمارس أقصى درجات الحكمة في تعاملها مع الأحداث الجارية وعلى المواطن الأردني أن يتبع مرجعه الوطني وهو الدولة بلا منازع ويتحلى بالحكمة وضبط النفس وعدم الإفراط في الحماسة بإدخال المجتمع في أتون معركة من الأكاذيب الإلكترونية ويتطوع لنشر أو إعادة نشر ما هب ودب من الصور والفيديوهات دون أي سند معرفي أو حتى منطقي.
إن على الأردنيين اليوم وبينما هم العرب الوحيدون المتفرجون على حرائق المنطقة ويتمتعون بالأمان على أنفسهم ووطنهم وعائلاتهم، أن يقدروا ما هم فيه وألا تغريهم قوميتهم النبيلة على الاندفاع خارج حدود الموقف الوطني المعروف بالحكمة التي طالما ميزت سياسة الدولة الأردنية في كل الأوقات ومن مختلف الصراعات في المنطقة، لنرفع من منسوب الوعي والحرص على بلدنا إلى أقصى درجة من الحذر والالتزام والمسؤولية في هذه الظروف الاستثنائية التي تنذر بتطورات خطيرة وتداعيات ستنعكس على الأمن والاستقرار والاقتصاد ربما لسنوات قادمة.

