صراحة نيوز- بقلم: محمد الميناوي
في الرابع عشر من تشرين الثاني لعام ألف وتسعمائة وخمسة وثلاثين، أشرقت شمس الحسين على عمان، لتعلن ولادة فجر جديد للأردن وللأمة العربية. ولد الحسين بن طلال بن عبد الله في كنف الهاشميين، ورث عن جده الملك المؤسس هيبة القيادة، وعن والده الملك طلال الرقة والحكمة. بدأ رحلته التعليمية في الكلية العلمية الإسلامية بعمان، قبل أن يصقل شخصيته في المملكة المتحدة، حيث نهل من علوم العسكرية والسياسة، متهيئاً ليحمل أمانةً ستغير وجه التاريخ في هذه المنطقة من العالم.
ارتقى الحسين عرش المملكة الهاشمية في ظروفٍ استثنائية، فبعد تنصيبه ولياً للعهد في عام ألف وتسعمائة وواحد وخمسين، ثم اعتلاء الملك طلال للعرش، شاءت الأقدار أن يتولى الحسين مقاليد الحكم وهو في ريعان الشباب. ولأن الدستور اشترط بلوغ الثامنة عشرة سنة قمرية، تشكل مجلس وصاية حتى الثاني من أيار لعام ألف وتسعمائة وثلاثة وخمسين، لتبدأ منذ ذلك اليوم أطول وأزهى عهود الملكية الأردنية، مسيرة امتدت لستة وأربعين عاماً ونصف، قاد فيها الحسين السفينة وسط أمواج إقليمية عاتية، محققاً المعجزة في البناء والاستقرار.
سيد الكلمة وصانع الهوية الوطنية 📚🛡️ ✨
لم يكن الحسين ملكاً يحكم من وراء الجدران، بل كان مفكراً وصاحب قلم سيال؛ ترك لنا إرثاً فكرياً في كتبه الخالدة “ليس سهلاً أن تكون ملكاً”، و”حربنا مع إسرائيل”، و”مهنتي كملك”، وهي مؤلفات جسدت فلسفته في الحكم وتحديات القيادة. وعلى الصعيد الوطني، كانت الخطوة الأجرأ والأهم هي استكمال استقلال القرار العسكري في الأول من آذار لعام ألف وتسعمائة وستة وخمسين، حين أعلن بقرار تاريخي “تعريب قيادة الجيش العربي”، منهياً بذلك النفوذ البريطاني ومؤسساً لجيشٍ أردني الهوية والانتماء.
تبع ذلك في عام ألف وتسعمائة وسبعة وخمسين إنهاء المعاهدة الأردنية البريطانية، ليدشن الملك الشاب عهداً من السيادة المطلقة. وفي خضم التحديات، كان الحسين يؤمن بالديمقراطية نهجاً، فشهد عهده أول حكومة برلمانية برئاسة سليمان النابلسي، وأعاد الحياة النيابية في عقد الثمانينات، وتوج ذلك بالميثاق الوطني في عام ألف وتسعمائة وواحد وتسعين، وقانون الأحزاب في العام الذي يليه، ليرسخ قواعد الدولة المدنية التي تقوم على التعددية والمشاركة الشعبية.
وحدة المصير والقضية الفلسطينية 🇵🇸🤝
كانت فلسطين بالنسبة للحسين “المهجة والروح”؛ فقد خاض من أجلها ثلاث حروب كبرى ضد الكيان الصهيوني، لعل أبرزها حرب الأيام الستة في عام ألف وتسعمائة وسبعة وستين، كما شهد عهده أحداث أيلول وتشرين، وظل مؤمناً بأن القضية الفلسطينية هي محور السياسة الخارجية الأردنية. سعى الحسين بكل ثقله لضمان حقوق الشعب الفلسطيني، ولم يترك منبراً دولياً إلا ودافع فيه عن القدس والمقدسات التي ظلت تحت الوصاية الهاشمية أمانةً في عنقه.
وعلى الصعيد العربي، كان الحسين “مهندس الاتحاد”؛ ففي عام ألف وتسعمائة وثمانية وخمسين أعلن مشروع الاتحاد العربي الهاشمي مع ابن عمه الملك فيصل الثاني ملك العراق، وهو المشروع الذي انتهى باستشهاد الملك فيصل. ثم طرح مشروع “المملكة العربية المتحدة” في عام ألف وتسعمائة واثنين وسبعين لضمان وحدة الضفتين وحقوق الفلسطينيين. وفي عام ألف وتسعمائة وتسعة وثمانين، ساهم في تأسيس مجلس التعاون العربي الذي ضم الأردن والعراق ومصر واليمن، ساعياً دوماً لتجاوز الفرقة العربية وبناء تكاملٍ اقتصادي وسياسي متين.
ثورة التحديث والنهضة الشاملة 🏥🎓 🏗️
تحول الأردن في عهد الحسين من بلد محدود الموارد إلى دولة رائدة في التعليم والصحة؛ فقد انخفضت نسبة الأمية بشكل مذهل، وأسس الحسين “الجامعة الأم” (الجامعة الأردنية)، ثم توالت الصروح العلمية كجامعة اليرموك، والعلوم والتكنولوجيا، وآل البيت، والجامعة الأهلية. وفي مجال الصحة، انتشرت المستشفيات والمراكز الصحية في كل ركن، لتصبح الخدمات الطبية الملكية والقطاع الصحي الأردني مقصداً للعلاج من كل أنحاء العالم.
ثقافياً وإعلامياً، شهد الأردن في عهده عصراً ذهبياً؛ فقد تأسس التلفزيون الأردني الذي تربع على عرش الشاشات العربية في السبعينات والثمانينات، وتأسست وزارة الثقافة والمركز الثقافي الملكي ونقابة الفنانين، ونشطت الصحافة كجريدة “الرأي” و”الدستور”، لتصبح عمان منبراً للفكر الحر. كان الحسين يؤمن بأن الإنسان هو أغلى ما نملك، وعلى هذا المبدأ بنى دولةً يشار إليها بالبنان في الرقي والتطور العمراني والاقتصادي.
الرحيل الحزين ووداع ملك القلوب 🥀 ✨
في منتصف التسعينات، فجع الأردنيون بخبر إصابة الملك المحبوب بالسرطان، لتبدأ رحلة علاج شاقة وطويلة في الولايات المتحدة. ومع كل رحلة علاج، كانت قلوب الأردنيين تخفق بالدعاء لمليكهم الذي لم يخذلهم يوماً. وفي العشرين من كانون الثاني لعام ألف وتسعمائة وتسعة وتسعين، عاد الحسين إلى وطنه ليلقي نظرة الوداع الأخيرة على شعبه، ورغم أن المرض نال من جسده، إلا أن هيبته ظلت حاضرة في تلك العيون التي لم تجف مآقيها.
وفي السابع من شباط لعام ألف وتسعمائة وتسعة وتسعين، توقف نبض “ملك القلوب”، وارتقى الحسين إلى جوار ربه. كان يوماً ماطراً وحزيناً، وكأن السماء شاركت الأردنيين بكاءهم. ودّعت عمان مليكها في “جنازة العصر” التي جمعت ملوك ورؤساء العالم من أقصى الشرق إلى أقصى الغرب، في مشهدٍ مهيب عكس مكانة الحسين الدولية واحترام العالم لسياسة الاعتدال والحكمة التي نهجها. رحل الحسين وترك الأمانة في يد نجله الأكبر، جلالة الملك عبد الله الثاني بن الحسين، الذي واصل المسيرة بوفاءٍ وحزم.
رحم الله الملك الحسين بن طلال، فقد كان ملكاً وجندياً وأباً لكل أردني. ستبقى ذكراه حية في القلوب، وسيبقى شعره الذي تغنى به الجواهري يتردد في الآفاق: “يا ابن الهواشم من قريش أسلفوا.. جيلاً بمدرجة الفخار فجيلا”. نم قرير العين يا أبا عبد الله، فالأردن الذي بنيته لا يزال شامخاً كشموخ جبال عمان.
محمد الميناوي

