صراحة نيوز- عوض ضيف الله الملاحمة
لفت إنتباهي فيديو لرجل كويتي نبيل أصيل ، يبدو انه يتمتع بحِسٍّ قومي قويّ ، لم أتمكن من التشرف بمعرفة إسمه . يقول في هذا الفيديو القصير جداً ما يلي :— (( أنا في بلد يسمونها بيت الكل ، بيت العرب ، بيت اللي ما عنده بيت ، المملكة الأردنية الهاشمية ، الله يبيض وجهكم ، الله يبيض وجهكم يا أهل الأردن )) .
وطني الأردن الحبيب ، فيه بعض القيم التي يتفرد فيها ، ويثبت أصالته وعروبته من خلالها .
نعم الأردن بيت من ضاقت به الدنيا . بيت من لم يأويه بيت . بيت من طُرد من بيته . بيت من تهجّر من بيته . بيت من ليس له بيت .
وطني الحبيب ، بيت المغبون ، بيت المنفي ، بيت المقهور ، بيت المظلوم ، بيت المُطارَد ، بيت المكسور ، وطني يجبُر كسره . بيت من داهمته الخطوب . بيت من إنسدت ، وإسودت في وجهه الدنيا .
الأردن ، بيت الكرم ، بيت الجود ، بيت النشاما ، بيت الأصالة ، بيت الشهامة ، بيت النخوة ، بيت العِزّ ، بيت العرب جميعاً .
الأردن بيت من ليس له سقف يحميه ويقيه برد الشتاء وحرّ الصيف . الأردن بيت الكل ، نعم بيت الكل .
الأردن يستضيف كل العرب ، كل من ضاقت بوجهه الدنيا ولم يجد سقفاً يظله ويستره وبيتاً يأويه ويضمه .
رغم شح الإمكانيات ، وضعف القدرات ، وضيق ذات اليد ، الأردن لم يتخلَ عن عربي إستنجد واستجار به . الأردن يستقبل كل العرب دون ان يلتفت لجنسيته ، او دينه ، او عِرقه ، او مذهبه .
إستجار بالأردن من كانوا يناصبونه العداء ، ويكنّون له الضغينة والكره والحقد . الأردن إستضاف منتقديه ، ومن عادوه ، وحتى كارهيه .
الأردني ينظر للعربي نظرة أخوة ، ومحبة ، ووحدة لغة ، ووحدة مصير ، وعلاقة دم وجين .
غالبية الأردنيين الذين كانوا معارضين للنظام تم إحتوائهم ، واستقطابهم ، واعتلوا أعلى المناصب .
بشكل مباشرٍ ومختصر ، كل ما سبق ذكره هو نتاج تمازج بين (( ديدن الهاشميين )) ، (( وكرم وسماحة الأردنيين قبائل وعشائر وعائلات )) .
الأردن إستضاف المرحوم الرئيس / سوار الذهب ، واختار الأردن لإقامته الدائمة . وقد تشرفت ونعيته بمقال بعنوان (( سوار الذهب .. سوارٌ من ذهب )) .
الأردن إختاره وزير الخارجية العراقي الشهير البطل المرحوم / طارق عزيز ( أبو زياد ) ليوارى جثمانه فيه ، وتحديداً في مقبرة الخلود الجديدة في مدينة مأدبا .
الأردن إختاره العلّامة الدكتور / زغلول النجار ، للإقامة فيه في آخر أيامه . وتوفي في الأردن ، قبل شهور ، وتم دفنه في العاصمة عمّان ، منطقة ناعور ، مقبرة أم القطين .
الأردن إحتضن ورحب بالسيدة الجليلة / رغد صدام حسين ، وأحسن وفادتها ، وأكرمها ، ورفض تسليمها للنظام العراقي متجاهلاً كل الضغوط التي مورست من القيادة العراقية الجديدة .
الأردن إستضاف ومنح الجنسية الأردنية للمناضل القومي السوري الأصل المرحوم / منيف الرزاز . ورغم أنه توفي في بغداد ، الا انه تم دفنه في مقبرة العائلة في الأردن .
الأردن إستضاف المفكر القومي السوري المرحوم / أكرم الحوراني ، في آخر أيامه . وعاش وتوفي وتم دفنه في الأردن . مع انه ارسل طلباً للرئيس/ حافظ الأسد ، طلب فيه ان يموت في بلده سوريا ، لكن طلبه رُفض . وعندما علِم الراحل / الحسين ، دعاه للإقامة في الأردن ، ووفر له السكن والحياة الكريمة .
والقائمة تطول ، ولا يمكن حصرها ، ولا يمكن ذكر أسماء الشخصيات العربية التي إستضافها الأردن بكل حبّ ، وودٍّ ، وتسامحٍ ، وكرم .
الأردن متسامح ، الأردن كبير بقيم أبنائه .
الأردن بيت من لم يجد له بيتاً يأويه .الأردن بيت العرب ، كل العرب . الأردن بقيمه وتسامحه فخر لكل العرب .
كما أتشرف ان أذكر بأن بلدي الأردن ، إستضاف الأشقاء العراقيين — أبناء العراق العظيم — والأشقاء السوريين ، والأشقاء اللبنانيين بكافة أطيافهم السياسية ، وإنتماءاتهم الحزبية ، والعقائدية ، والدينية ، والإثنية ، والعرقية .
وكذلك إستضاف الأردن الأشقاء اليمنيين ، والليبيين ، والسودانيين ، والمصريين وغيرهم .
كم شعرت بالسعادة والفخر عندما سمعت هذا الفيديو وعشرات الفيديوهات التي إنتشرت من أشقائنا من كافة دول الخليج العربي ، وهم يعبرون عن فرحهم وسعادتهم وافتخارهم بوطنهم الثاني الأردن الحبيب .
الوطن الأردني نشأته قومية ، منذ تأسيس الأردن الحديث . لذلك الأردنيون قوميون بالفطرة ، والجين العربي متأصلاً فيهم . كيف لا وأول رئيس وزراء أردني كان درزياً من لبنان .
الأردنيون ساندوا ودعموا وقاتلوا مع المناضل الليبي الأسطورة / عمر المختار . الأردنيون ساندوا ودعموا وجاهدوا مع الأشقاء السوريين في نضالهم ضد الإستعمار الفرنسي . الأردنيون ساندوا ودعموا وقاتلوا مع الفلسطينيين في نضالهم لمنع قيام الكيان الصهيوني . وقد يقول قائل أنني لم أذكر الفلسطينيين عندما عددت الجنسيات العربية ، والسبب ان معظم الفلسطينيين هم أردنيون منذ وحدة الضفتين .
ولمن لا يعلم فإن نسبة العرب غير الأردنيين من سكان الأردن يشكلون حوالي ( ٣١٪ ) من السكان .
والأهم من كل ما سبق ان الأردن يتميز بأن أحداً من مواطنيه لم يفقد حياته بسبب معارضته ، مطلقاً . بل إحتوى الأردن غالبية معارضيه ، وتجاوز عن أفعالهم ، وانخرط بعضهم في سلك الدولة ، وإعتلوا أعلى المناصب .
ربي إحفظ وطني الحبيب الأردن ، وكافة الأقطار العربية ، وخاصة العراق العظيم ، لفضله عليّ في دراستي الجامعية ، وإمارات زايد الخير ، لفضلها عليّ بالعمل فيها في وقت الشِدّة . اللهم إحفظ جميع الأقطار العربية من كيد الكائدين ، وتربص المتربصين ، وحقد الحاقدين ، وإستهداف المستهدفين ، وكره الكارهين .. اللهمّ آمين ، يا رب العالمين .
وأختم بابيات من قصيدة نبطية لزميل الدراسة ، ورفيق الغربة ، والعمر كله المرحوم الشاعر / فاضل الزعبي ، عندما يقول :—
شِدّوا على رحالِكم / وإلفوا ع ديرة هلي / ملفاكم الخير / وطيب أهلي يحليها / أردن يا بيت العرب / والضيف إله منزلي / حنا هلك ع الوفا / وراسك نعليها / هظول إحنا / الفخر يمشي بنواصينا / هظول إحنا زُلُم / وإنضاعت النخوة من الدنيا تلاقينا / أرض مزروعة حُبّ وخير / ونقطة ميه تروينا / إذا فرِحنا بنطيش بشبر ميه / وبس نزعل بتصير الدنيا فورة دم واضيق من خُرُم الإبرة / إنجوع ونقسم اللقمة / ع ضيم وجوع نقسمها / ولا مرة مضافتنا إستحت بينا / هظول إحنا / هظول إحنا / الفخر يمشي بنواصينا / نشاما وننتخي للموت / نحدي له بجهير الصوت / نحدي واللحن بارود / يزغرت مزهي بايدينا / تحير بينا / ما تعرف فرحنا من تعازينا / وما تدري نلاقي الموت / والا الموت يلاقينا / هظول إحنا الفخر يمشي بنواصينا .

