صراحة نيوز- بقلم: جهاد مساعدة
في زمنٍ كثرت فيه الأسئلة الصغيرة، يبرز سؤالٌ كبير يلوّح به البعض وكأنه اكتشافٌ عظيم: من أعطاكم الحق بالوطنية؟
سؤالٌ يبدو في ظاهره بسيطًا، لكنه في جوهره ملتبس؛ كأن الوطنية امتيازٌ تمنحه جهة، أو بطاقة اعتماد تُوزَّع على من يستحقها في نظر جماعةٍ أو حزبٍ أو تنظيم.
الوطنية، في حقيقتها، لا تُمنح بقرار، ولا تُسحب ببيان، ولا تُقاس بعدد الشعارات التي يرفعها أصحابها. إنها شعورٌ عميق يولد مع الإنسان حين يولد على هذه الأرض، ويكبر معه كلما شرب من مائها، وأكل من خبزها، وسار في طرقها، وحمل في قلبه شيئًا من ترابها.
الأردني الذي يدافع عن بلده لا يحتاج إذنًا من أحد، ولا ينتظر شهادة حسن سلوك من لجنةٍ أيديولوجية أو منصةٍ حزبية. فالوطن ليس فكرةً عابرة، ولا مشروعًا مؤقتًا، ولا منصةً للصراع بين التيارات. الوطن بيت، والبيت، كما يعرف العقلاء، لا يسأل أهله إن كان يحق لهم الدفاع عنه.
غير أن المشكلة تبدأ حين يتعامل البعض مع الوطن كما لو كان محطةً عابرة في طريق أفكارهم الكبرى. يراه بعضهم ممرًا، ويراه آخرون منصةً للخطابة، ويراه فريقٌ ثالث ساحةً لتصفية الحسابات. يستيقظون كل صباح ليعلنوا أن الدولة أخطأت، وأن المؤسسات فشلت، وأن البلد يسير إلى الهاوية.
ومع ذلك، لا يرون الجندي الذي يقف على الحدود، ولا المعلم الذي يصنع مستقبل الأجيال، ولا الطبيب الذي يسهر في المستشفى، ولا آلاف الأردنيين الذين يعملون بصمت كي يبقى هذا البلد واقفًا. إنهم يرون ما يريدون أن يروه؛ لأن بعض العيون لا تبحث عن الحقيقة، بل تبحث عن ثغرة.
وحين تضيق حججهم، يرفعون سلاحًا مألوفًا: أنتم تحتكرون الوطنية.
والحقيقة أن الوطنية لا تُحتكر، لكنها أيضًا لا تُوزَّع في الأسواق، ولا تُمنح لمن يرفع صوته أكثر.
الوطنية تُعرَف حين تختلط الأوراق؛ حين يقف بعض الناس في صف البلد، ويقف آخرون في صف من يشكك به. تُعرَف حين يرى فريقٌ الأردن وطنًا يجب أن يُحمى، ويراه آخرون مجرد مساحةٍ للجدل والاتهام.
وثمة سؤالٌ لا يمكن تجاوزه: كيف يمكن لمن يدّعي الانتماء إلى وطن أن يتمنى له القصف أو الخراب؟ إن من يتمنى أن تُستهدف بلاده، أو يبرر الاعتداء عليها، لا يختلف في الرأي فحسب، بل يضع نفسه موضع الشك في معنى انتمائه.
فالوطن ليس بطاقة أحوال تُستعمل عند الحاجة وتُخفى عند الخصومة، ولا جواز سفر يُرفع حين تفيد المصلحة ويُغلق حين تثقل المسؤولية. الوطن التزام قبل أن يكون صفة، ومسؤولية قبل أن يكون لقبًا.
لهذا فإن الجنسية ليست مجرد ورقة قانونية، بل رابطة أخلاقية وسياسية. ومن يتعامل معها كأداةٍ للمصلحة، أو مظلةٍ للطعن في بلده، يطرح سؤالًا مشروعًا أمام المجتمع: هل فهم حقًا معنى الانتماء الذي تحمله هذه الجنسية؟
الفرق بين من يحب وطنه ومن يتعامل معه كأداة ليس في ارتفاع الصوت، بل في اتجاه البوصلة. فمن كانت بوصلته الأردن سيبقى معه حتى حين يختلف معه، أما من كانت بوصلته في مكانٍ آخر فسيرى الأردن دائمًا من زاوية الشك.
ولهذا يبقى السؤال الحقيقي ليس: من أعطاكم الحق بالوطنية؟
بل سؤالٌ أبسط وأعمق: من أعطاكم الحق بالتشكيك بها؟
فالوطنية ليست شعارًا يُقال في موسم السياسة، ولا عبارة تُكتب في لحظة غضب. الوطنية أن ترى وطنك حين ينشغل الآخرون برؤية أنفسهم، وأن تقف معه حين يحاول البعض تحويله إلى ساحةٍ لخصوماتهم.
فالأوطان لا تُبنى بالاتهامات، ولا تُحمى بالصراخ.
الوطنية لا تُمنح… بل تُختبر.

