صراحة نيوز- المهندس مدحت الخطيب
ليست كل الجغرافيا متشابهة في عالم السياسة، فهناك بقع صغيرة على الخريطة تختزن من التأثير ما يفوق مساحتها بأضعاف مضاعفة. ومن بين تلك البقع تقف جزيرة خرج كواحدة من أهم النقاط الاستراتيجية في معادلة الطاقة العالمية، إذ تحولت هذه الجزيرة الصغيرة إلى الرئة التي يتنفس منها النفط الإيراني نحو الأسواق الدولية.
تقع الجزيرة في الخليج العربي شمال مضيق هرمز، أحد أكثر الممرات البحرية حساسية في العالم، حيث تمر نسبة كبيرة من تجارة النفط العالمية. وعلى مدى عقود، استثمرت إيران في هذه الجزيرة لتجعل منها مركزاً ضخماً لتجميع النفط وتصديره، فبنيت فيها خزانات هائلة ومرافئ متخصصة لاستقبال الناقلات العملاقة. وبهذا أصبحت جزيرة خرج ليست مجرد ميناء، بل العمود الفقري لصادرات النفط الإيرانية، والمفتاح الذي يربط الاقتصاد الإيراني بالسوق العالمية.
لهذا السبب كانت هذه الجزيرة دائماً حاضرة في حسابات الحروب والصراعات. فخلال الحرب العراقية الإيرانية في ثمانينيات القرن الماضي، تعرضت منشآت النفط في الجزيرة لسلسلة من الهجمات الجوية في إطار ما عُرف آنذاك بـ”حرب الناقلات”، لأن ضربها كان يعني شل قدرة إيران على تصدير نفطها وإضعاف اقتصادها.
اليوم، ومع تصاعد التوتر العسكري بين الولايات المتحدة وإيران، تعود هذه الحقيقة الجيوسياسية إلى الواجهة من جديد. فالحروب الحديثة لا تُدار دائماً عبر إسقاط الأنظمة أو احتلال العواصم، بل عبر استهداف العقد الاقتصادية الحساسة التي يقوم عليها بقاء الدول. ومن هنا يمكن فهم التحول في التفكير العسكري عندما تتعثر فكرة الحسم السريع.
الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وبعد أسابيع من الضربات الجوية المكثفة على الأراضي الإيرانية، يبدو أنه بدأ يدرك أن إسقاط نظام سياسي راسخ في دولة بحجم إيران ليس مسألة قصف جوي أو ضغط عسكري محدود. فإيران ليست دولة صغيرة يمكن إخضاعها بضربة واحدة، بل منظومة سياسية وعسكرية واقتصادية معقدة تمتلك عمقاً جغرافياً وبشرياً كبيراً.
عندما يتعذر إسقاط النظام، يبدأ التفكير في ضرب أعمدة قوته الاقتصادية. وهنا تبرز جزيرة خرج مرة أخرى كهدف استراتيجي بالغ الأهمية. فتعطيل هذه الجزيرة – أو السيطرة عليها – يعني عملياً خنق أهم شريان لصادرات النفط الإيرانية، وهو ما يضع الاقتصاد الإيراني تحت ضغط هائل دون الحاجة إلى اجتياح بري واسع أو حرب طويلة.
لكن المسألة لا تتوقف عند إيران وحدها. فجزيرة خرج ليست مجرد منشأة وطنية، بل جزء من منظومة الطاقة العالمية. وأي اضطراب كبير في عملها قد ينعكس فوراً على أسواق النفط، ويرفع منسوب التوتر في الاقتصاد الدولي، لأن منطقة الخليج ما زالت تمثل القلب النابض لإمدادات الطاقة في العالم.
لهذا فإن الصراع حول هذه الجزيرة – إن وقع – لن يكون مجرد معركة عسكرية على قطعة أرض، بل صراعاً على مفصل حيوي في شبكة الطاقة العالمية. فالجغرافيا هنا تتحول إلى سياسة، والسياسة تتحول إلى اقتصاد، والاقتصاد بدوره قد يشعل حروباً أكبر من مساحة الجزيرة نفسها.
إن درس الجغرافيا السياسية واضح في هذه الحالة: أحياناً لا تحتاج الدول إلى السيطرة على دولة كاملة كي تكسرها، بل يكفي أن تضع يدها على الشريان الذي يمدها بالحياة. وفي حالة إيران، قد يكون ذلك الشريان اسمه جزيرة خرج فهل سيفعلها الرئيس الأمريكي ويحتل الجزيرة وبها يضيق الخناق على إيران.
Medhat_505@yahoo.com

