بقلم: جهاد مساعدة
ليست المدن بما يعلو فيها من البنيان، ولا بما تمتد فيه الطرقات والساحات، وإنما بما ينهض في فضائها من فكرٍ، وما يُصاغ في وجدانها من كلمةٍ تحفظ الذاكرة وتُقيم المعنى. فالبنيان يشيّد المكان، أما الفكر فيشيّد الإنسان، وإذا التقى عمران المكان بعمران العقل قامت المدينة في صورتها الأكمل، وغدت الثقافة فيها روحًا تسري في أوصالها، وشاهدًا على وعي أهلها وسموّ حضارتهم.
ومن هذا المعنى تُقرأ مجلة «إعمار إربد» الصادرة عن مؤسسة إعمار إربد؛ فهي ليست أوراقًا تُنشر ثم تُنسى، ولا كلماتٍ تُقال ثم تمضي، بل منبرٌ معرفيٌّ يسعى إلى أن يجعل الكلمة شريكًا للبنيان في إعمار المدينة. فالمدن التي تعتني بالثقافة إنما تعمّر روحها قبل أن تعمّر عمرانها، وتؤسس لوعيٍ يبقى أثره في العقول كما تبقى العمارة شاخصةً في العيون.
وتزداد قيمة هذه المجلة وأثرها أن هذا هو عددها الأول الذي يشرف عليه ثلةٌ من العلماء والأساتذة ذوي الاختصاص؛ رجالٌ جمعوا بين رسوخ العلم وخبرة التجربة، فكان إشرافهم ضمانًا لرصانة المنهج وسلامة الطرح. وإذا كانت الكلمة ميزان الفكر، فإن العلماء هم أمناؤها، وبهم تستقيم العبارة ويعتدل المقصد.
ومن تأمل صفحات هذا العدد وجدها قد انتظمت في أبوابٍ متعددة، كأنها مسالكُ للمعرفة تتفرع من أصلٍ واحد، هو خدمة الفكر وإحياء الوعي. ففي باب آفاق ثقافية تُطرح قضايا الإنسان والمجتمع، من التربية والثقافة والتنمية الاجتماعية إلى التأمل في الدور الوطني لمدينة إربد تجاه قضايا الأمة، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية. وفي ذلك ما يدل على أن الثقافة ليست زينة القول، بل بصيرة الفعل ووعي التاريخ.
ثم يأتي باب الذاكرة الوطنية ليستحضر صفحات من التاريخ الأردني، ويذكّر بأهمية صون الذاكرة وحفظ الشواهد التي صنعت مسيرة الوطن، مثل الحديث عن متحف الإذاعة والتلفزيون الأردني وما يمثله من سجلٍ حيٍّ لذاكرة الإعلام في البلاد. فالأمم التي تحفظ ذاكرتها إنما تحفظ هويتها وتثبت في وجه النسيان.
وفي الدراسات والبحوث يظهر وجه النظر والتحليل، حيث تُناقش موضوعات تتصل بالتغيرات الدولية الاستراتيجية وأثرها في مستقبل النظام العالمي، إلى جانب الحديث عن الوثائق والأرشيف ودورهما في كتابة التاريخ. وهنا تبدو المجلة جامعةً بين الأدب والبحث، حريصةً على أن يلتقي الفكر بالعلم في مجلسٍ واحد.
أما باب الأدب والفن والتراث فيعيد للكلمة جمالها الأول، من الحديث عن الشعر الشعبي والرؤى التراثية إلى مقالات تتناول الفن والجمال. وكأن المجلة في هذا الباب تستحضر روح التراث لتقول إن الماضي ليس أثرًا ساكنًا، بل حياةٌ تتجدد في وجدان الأمة.
ولا يغيب عنها شأن التربية، فتفتح باب في التربية لتتناول قضايا التعليم وإتقان اللغة ودور المعلم في بناء الإنسان؛ إذ العلم أصل العمران، ولا عمران بلا إنسانٍ متعلمٍ بصير. ثم تمتد إلى باب التنمية المستدامة، حيث يُبحث في إدارة التغيير والقيادة الرشيقة في المؤسسات، لتؤكد أن الثقافة ليست منفصلةً عن حركة المجتمع، بل هي أحد محركاته.
ويزيد القارئ صلةً بالمعرفة باب عالم الكتب، الذي يعرض المؤلفات ويقارب أفكارها، ثم يأتي الديوان الشعري ليختم المجلة بفيضٍ من الإبداع، حيث تتجلى اللغة في أبهى صورها، ويعود الشعر إلى موضعه من البيان: ترجمانًا لروح الإنسان.
وهكذا تبدو مجلة إعمار إربد كأنها مدينةٌ أخرى موازية للمدينة؛ مدينةٌ تُبنى بالحروف كما تُبنى بالبنيان. فإن كان البناء يرفع الجدران، فإن الثقافة ترفع المعاني، وإذا اجتمع العمرانان قامت المدينة في صورتها الأكمل.
ومن هنا فإن صدور هذا العدد الأول بإشراف العلماء وأهل الاختصاص ليس خبرًا يُذكر عَرَضًا، بل هو بداية ميلاد منبرٍ معرفي يُرجى له أن يكون شاهدًا على حضور إربد في فضاء الفكر والثقافة؛ فكل مدينةٍ تحتاج إلى ذاكرةٍ تكتبها، وكل مجتمعٍ يحتاج إلى كلمةٍ تهديه.
فإعمار المدن يبدأ بالبنيان… ويكتمل بالكلمة.


