صراحة نيوز- بقلم: د. حمزة الشيخ حسين
غاب اليوم عن إربد قمراً منيراً في سمائها، كما غاب عن الأردن كله رمزٌ من رموزه الوطنية الصادقة، رجلٌ لم يكن حضوره عادياً ولا أثره عابراً. لقد كان الراحل ضوءاً يُهتدى به، وصوتاً للعقل والحكمة في أحلك الظروف، فبفقده تخسر المدينة كما الوطن قيمةً إنسانية ووطنية يصعب تعويضها.
في لحظةٍ يختلط فيها الحزن بالفخر، يودّع الأردن واحدًا من رجالاته الذين لم يكونوا مجرد عابرين في سجل الدولة، بل كانوا جزءًا من بنيتها الأخلاقية والمؤسسية. فغياب الجسد لا يعني زوال الأثر، ولا انطفاء الحضور الذي تركه في ضمير الناس وتاريخ الوطن.
لقد فقدت إربد، كما فقد الأردن كله، رجلًا اتسم بصلابة الموقف ونقاء السيرة، رجلًا جمع بين الانضباط الأخلاقي والالتزام المهني، فكان نموذجًا يُحتذى في العمل العام. لم يكن ممن يسعون إلى الأضواء، بل كان من أولئك الذين يصنعون الفرق بصمت، ويتركون بصماتهم في عمق الدولة لا على سطحها.
تميّز الراحل بنهج واضح في خدمة الوطن، قائم على المسؤولية والانحياز للمصلحة العامة دون تردد أو حسابات ضيقة. وفي زمن تتبدل فيه المعايير، بقي ثابتًا على مبادئه، مؤمنًا بأن الدولة تُبنى بالصدق والنزاهة قبل أي شيء آخر. وهذا ما جعل اسمه يحظى باحترام واسع، ليس فقط بين المسؤولين، بل في وجدان المواطنين أيضًا.
ولم يكن هذا الاحترام وليد اللحظة، بل نتاج مسيرة طويلة جعلت من حضوره قيمة راسخة؛ فقد افتخر به أهالي الشمال حيّاً، كما بقي محيّاه بعد الرحيل نبراساً لكل من يسير على درب الصدق والالتزام، لتتحول سيرته إلى درسٍ حيّ في معنى الوفاء للوطن.
لم تكن مسيرته مجرد مناصب تقلدها، بل كانت رسالة حملها بإخلاص، فكان حاضرًا في كل موقع يشغله بعقل الدولة وقلب الإنسان. لقد فهم مبكرًا أن قيمة المسؤول لا تُقاس بسلطته، بل بقدرته على خدمة الناس وصون كرامتهم.
واليوم، ونحن نودّعه، لا نقف عند حدود الحزن، بل نستحضر إرثًا يجب أن يبقى حيًا فينا. إرثٌ من الانضباط، والصدق، والعمل الجاد، والإيمان بأن الأوطان تُصان برجالها الأوفياء.
رحم الله الفقيد، وأسكنه فسيح جناته، وألهم أهله ومحبيه الصبر والسلوان. سيبقى اسمه حاضرًا، لا في الذاكرة فقط، بل في القيم التي زرعها، وفي الطريق الذي رسمه لكل من يؤمن أن خدمة الوطن شرف ومسؤولية لا تنتهي.

