صراحة نيوز- بقلم: د. ثابت المومني
★ملخص
يتناول هذا المقال ظاهرة خطيرة تتمثل في شراء الألقاب الأكاديمية بالمال وما يرافقها من غش للرأي العام وتضليل للمجتمع مقابل الجهد الحقيقي الذي يبذله الباحثون الذين يصنعون الدكتوراه بعرقهم وعلمهم.
يركز المقال على أن اللجوء إلى شراء الشهادات ليس مجرد تجاوز أخلاقي بل هو إعلان صريح عن العجز وضعف القدرة على خوض مسار البحث والاجتهاد.
كما يوضح أن من يسلك هذا الطريق يبعث رسالة واضحة للمجتمع بأنه غير قادر على تحقيق الإنجاز العلمي الحقيقي فيلجأ إلى الطريق الأسهل الذي يهدم قيمته قبل أن يمنحه أي قيمة.
لم يعد اللقب الأكاديمي عند بعض الناس مرآة معرفة بل أصبح قناعًا يخفي فراغًا داخليًا كبيرًا حيث تختزل سنوات البحث والسهر والكد في ورقة مدفوعة الثمن ويستبدل الجهد الحقيقي بفاتورة تسدد ثم يرفع اللقب عاليًا وكأن شيئًا لم يكن.
هذه ليست حالة فردية عابرة بل غش واضح للرأي العام حين يقدم شخص بصفة دكتور وهو لا يملك من العلم إلا الاسم فتخدع الناس وتضلل المؤسسات وقد تبنى قرارات على هذا الوهم الخطير الذي يضرب أساس الثقة في المجتمع.
من يصنع الدكتوراه بالعلم تعرفه بسهولة في المجالس وساحات النقاش العلمي وفي ميادين الفكر والدراسة تجده نبراسًا واثق الخطوة يمشي ملكًا بعلمه لا بلقبه حاضر الحجة ثابت الرأي لا يتردد ولا يهرب لأن ما يحمله في عقله أثقل من أي لقب يعلق على صدره.
أما من يلجأ إلى شراء الشهادات سواء كانت دكتوراه أو ماجستير بالدرهم والدينار فهو في الحقيقة لا يشتري لقبًا فقط بل يوقع على شهادة عجزه بيده ويعلن أمام الجميع أنه غير قادر على خوض غمار البحث والجد والاجتهاد وأنه يفتقر إلى القدرة والصبر اللازمين للوصول إلى هذا المستوى العلمي بجهده الحقيقي.
هذا السلوك ليس اختصارًا للطريق بل هزيمة كاملة بكل ما تحمله الكلمة من معنى هزيمة أمام الذات قبل أن تكون أمام الآخرين لأنه يختار الطريق الأسهل لا لذكاء فيه بل لعجز عن الطريق الصحيح فيكشف بذلك ضعفه وقلة حيلته العلمية والفكرية.
ومن يفعل ذلك إنما يبعث رسالة صامتة لكنها واضحة مفادها أنه غير قادر على الإنجاز الحقيقي وأنه لا يملك الأدوات العلمية التي تؤهله للحصول على درجة عليا بجهده لذلك يلجأ إلى المال ليغطي هذا النقص لكنه في الحقيقة يفضحه أكثر مما يستره.
أما من اشترى شهادته فتجده مترددًا خائفًا يتجنب النقاش ويخشـى السؤال لأن كل كلمة قد تفضحه وكل حوار قد يكشف خواءه فهو يعلم في داخله أنه لا يملك ما يدعيه ولذلك يعيش خلف اللقب كدرع يحتمي به لكنه درع هش يسقط عند أول اختبار حقيقي.
ألا تخجلون من أنفسكم وأنتم تجالسون الناس في المجالس أو تقودون جلسات الحوار والندوات ويناديكم الحاضرون بالدكتور وأنتم لا تحملون من هذا اللقب إلا ورقة لا روح فيها ولا علم وراءها.
ألا تدركون أن من يجالسكم ويراقبكم يرى الحقيقة بوضوح وأن اللقب لا يخفي الفراغ وأنكم في أعين من حولكم صغار في ميزان العلم مهما كبر اللقب على ألسنتهم.
أي مفارقة هذه أن يطلب الإنسان احترام الناس بلقب يعلم أنه لا يستحقه وأي هزيمة نفسية أعمق من أن يسمع المديح وينكره ضميره في داخله فهو لا يخدع الناس فقط بل يحقّر نفسه ويضعها في مرتبة أدنى من أن تواجه الحقيقة بشجاعة.
المؤلم أن هذه الفئة لا تسيء لأنفسها فقط بل تسيء لكل صاحب علم حقيقي حين يبتذل اللقب وتهدر قيمته ويصبح التفريق بين العالم والدعي مهمة صعبة فيظلم المجتهد مرتين مرة حين يتعب ومرة حين يساوى بمن لم يتعب.
ولو أدرك هؤلاء الحقيقة لعلموا أن أخطر ما في هذا الطريق ليس الفضيحة بل الفراغ فراغ المعرفة وفراغ الثقة بالنفس وفراغ القدرة على الوقوف بثبات أمام أي نقاش حقيقي.
اللقب لا يصنع قيمة الإنسان بل الإنسان هو من يمنح اللقب قيمته.
وبين من يصنع الدكتوراه بالعلم ومن يشتريها بالدرهم والدينار تبقى الحقيقة واضحة مهما طال الزمن الأول يرفع نفسه بعلمه والثاني يعلن هزيمته بماله.

