مساحات من لوعة الروح… رثاء

4 د للقراءة
4 د للقراءة
مساحات من لوعة الروح... رثاء

صراحة نيوز- د. ماجد الخواجا

رحل من نادانا وشدّ على أيدينا، لكنه انتظر طويلاً دون أن يلبّي أحد منا ندائه.

سأترك مساحتي لفقيد الفرح المرتجى ” أحمد قعبور”، هذا العاشق الثائر البيروتي اللبناني العروبي الإنسان الذي صرخ ذات ألم وأمل بأنشودة ” أناديكم” عام 1975، من كلمات الشاعر الفلسطيني توفيق زيَّاد. حين كانت الأغنية الملتزمة في أوج حضورها، ويكفي للتدليل على ذلك أنه حينها تم تحريم الاستماع لأغنية فايزة أحمد ” يما القمر عالباب” باعتبارها تخدش الحياء العام. أحمد قعبور فنان مطرب وملحن وممثل ملتزم بالقضايا الإنسانية. أنشد وردد صدى كلماته وألحانه المرتبطة بالقضية الفلسطينية أساساً، وبالعدالة الإجتماعية. عشق بيروت وغنى لها أجمل القصائد، بيروت يا بيروت صندوق فرجة كبير، يا رايح صوب بلادي دخلك وصلّي السلام، إرحل، يا نبض الضفة لا تهدأ أعلنها ثورة،.. إنها أغاني كانت ترافق كل ثائر وعاشق وباحث عن الحرية. صوت دافئ غنى لنا جميعا.

في عام 1982 وأثناء دخول الجيش الصهيوني إلى عمق مدينة بيروت، كان والد أحمد ظاعناً في السّن وعلى مشارف النهايات، شاهد دبابة الميركافا الصهيونية في وسط بيروت، فيما كانت أغنية ابنه أحمد ” أناديكم” تصدح في الخلف، نظر إلى أحمد وهو يقول: ظليت تنادي عليهم حتى وصلوك. فأجابه أحمد: لكن يا أبي ليس هؤلاء الذين ناديتهم. أجابه أبيه بحزن: لكن هؤلاء هم اللي سمعوك ولبّوك.

المطرب أحمد قعبور ليس فقط يتقن الغناء، لكنه أيضاً يتقن التعبير بالكلمات الشفيفة الرقيقة كثيفة المعنى. هذه بعض مقتطفات مما استطعت جمعه ألإرد له ما تبقى من مساحة: لست وحيدا في وحدتي.. أرواح كل من أحبهم تؤانس ليلي.. روحي مسكونة بالآخرين. أحب التواجد حيث يلتقط المارَّة صوراً لأحبتهم..أراني دائماً مارّاً في الصوَّر. مددت لك جسدي جسراً. قومي أرقصي على الجسر. لم تكن سوى قضبان يابسة لكنها أدفأت روحي في جليد الأيام. حقلي المحروق سيمنحك سنابل الروح وقوت الأيام الجائعة. من فرحتها بنا في جَمعة العيد كانت أمي ترقص عند عودة أحدنا من السفر، كانت أمي ترقص حين كانت تتذكر المرحوم أبو محمد، كانت أمي ترقص وهي تلاعب أحفادها، كانت أمي ترقص. ماتت أمي. ولا زالت ترقص. حين يحنو علينا الحب ليمنحنا لياليه البيضاء، علينا أن نشرب شبابنا حتى الثمالة. لا غير القهوة.عندما يحتاج عقلك الى عناق. سلاماً لمن تُفتِّت الخبز اليابس قوتاً للحمام، سلاماً للغريب يمرُّ ويلقي على الغريب السلام. حتى أنك لم تمري، فكيف لعطرك أن يملأ المكان. أنا كسرة خبز لمّتها امي عن الأرض ومسحتها على جبينها ثم أطعمتني إياها فأحالتني رغيفاً يستولد رغيفاً. آخذ الطريق الذي يؤدي الى طفولتي وإلى حديقةٍ لا شيء فيها أهم من طعم التين ونوم أبي قرير الصدر.

لا يحق لك أيها الهشُّ أن تميل، فهناك من يتكئ عليك. انبض يا قلب، إذ لم يتبق لي إلا ماء نهري، وقد أضعت قديما جعبة ماء الحياة. لم يرها، توارت خلف ضباب أفكاره، حين داهمه النوم أسدلت “ساتان” الليل وأفسحت بين يديها فجراً وحاكت على مخدته حلمها. وصلنا. لكن الوقت تأخر. كانت تقف على شرقتها تدندن لحناً مألوفاً وهي تنشر فستاناً مزهراً، سحرته. أحبها، أتى في اليوم التالي، ضيّع العنوان أمضى العمر يبحث عنها، مات ولم تعرف، الأحبة لا يموتون وإلا متنا معهم. لا تكتب قصيدة لتنال الحبيبة، اكتب الحبيبة لتنال القصيدة. وأقول أنها آخر سيكارة وأعلم أنها لن تكون الأخيرة. وأقول أنه آخر انتظار، وأنا متأكد أنه لن يكون الاخير، وأقول أنه آخر عبء وطبعا لن يكون الأخير وأقول أنه أول حلم وأخشى أنه سيكون الأخير.

لا يحق لك أيها الهشُّ أن تميل، فهناك من يتكئ عليك.

سلاماً لروحك أحمد لكن إياك أن تنام قرير العين، ⁠⁠فهي فلسطين على مشارف الحلم لا تغفو تنتظر طلائع العاشقين .

Share This Article