صراحة نيوز- د. ثابت المومني
يفضح هذا المقال ازدواجية بعض المسؤولين والمتنفذين الذين أفسدوا البلاد وأفقروا العباد، ثم يظهرون عبر الإعلام بوجه الواعظ النزيه.
يبيّن أن الجريمة لا تقتصر على نهب المال العام، بل تمتد إلى تزييف الوعي وضرب الثقة وتشويه القيم.
يطرح تساؤلات مباشرة تضعهم أمام حقيقتهم، ويحذّر من أثرهم المدمر على الشباب والمجتمع.
ويؤكد أن الخلاص لا يكون إلا بالمحاسبة الحقيقية وإعادة الاعتبار للنزاهة والعمل الصادق.
ليس أكثر إيلامًا من أن ترى من نهب وتسلّط وتجاوز، يقف اليوم ليعظ الناس عن الشرف والنزاهة والانتماء.
يظهر بوجهٍ مزيّن وكلماتٍ مصقولة، وكأن ذاكرة الناس قصيرة، وكأن الوطن بلا شهود، وكأن الحقيقة يمكن طمسها بخطابٍ إعلامي عابر.
هذه ليست مجرد مفارقة، بل استخفاف بعقول الناس وإهانة لكرامتهم.
هؤلاء لم يكتفوا بإفقار العباد، بل دمّروا ثقة الناس بكل شيء.
جعلوا المواطن يشك بكل خطاب إصلاحي، لأن من أوصل البلاد إلى الأزمات هو نفسه من يتصدّر اليوم منصة الوعظ.
وهنا تتحول الكلمات إلى مشهد مكشوف، ويتحوّل الإصلاح إلى شعار بلا مضمون.
المشكلة لا تقف عند الماضي، بل تتجدد في الحاضر.
في إعادة تدوير الوجوه ذاتها، وفي تلميع من تلوث تاريخهم، وفي تقديمهم كخبراء وحكماء وهم أصل العلّة.
يتنقلون بين المنابر، يبدّلون العناوين ويثبتون الجوهر، وكأن الوطن ساحة مفتوحة لتجاربهم، وكأن الناس لا ترى ولا تميّز.
الوطنية ليست كلمات تُقال عند الحاجة، ولا خطابات تُلقى أمام الكاميرات.
الوطنية تاريخ نظيف وسلوك ثابت وموقف لا يتبدّل.
من لوّث يده بالمال العام لا يمكن أن يغسلها بالتصريحات، ولا أن يستعيد احترام الناس عبر الظهور الإعلامي.
فالتاريخ لا يُمحى، والحقائق لا تُدفن.
ألا تخجلون من أنفسكم وأنتم تجلسون بين الناس، وتنادون بمسميات من طراز دولة ومعالي وعطوفة وسعادة، بينما تعلمون أن ما تحملونه ليس إلا لقبًا أو منصبًا مرّ من هنا، فيما حقيقتكم مكشوفة في عيون من يعرفونكم وفي عيون الشعب.
كيف تتحدثون عن الشرف وأنتم أول من خانه.
كيف تعطون دروسًا في الانتماء وأنتم أول من باع مصالح الوطن.
الأخطر من ذلك أن هذا المشهد يقتل الأمل.
يزرع في عقول الشباب أن الطريق ليس علمًا ولا جهدًا، بل تحايلاً ونفوذًا.
وهنا تسقط القيم قبل أن تسقط الاقتصادات، وتُهزم الأخلاق قبل أن تُهزم الدول.
إن إنقاذ الوطن لا يبدأ بخطاب جديد، بل بإرادة حقيقية.
محاسبة لا تعرف المجاملة، ووقف إعادة تدوير الوجوه، وفتح الطريق أمام من يستحق.
الوطن لا يُبنى بالشعارات، بل بالعدالة والنزاهة والعمل الصادق.
وفي النهاية.
سيبقى الوطن أكبر من الجميع.
وأصدق من كل خطاب.
وأبقى من كل نفوذ زائف حاول أن يمرّ من فوقه ليصنع لنفسه مجدًا لا يستحقه.

