انتخابات الجامعة الأردنية 2026: قراءة لمشهد المختبر السياسي المصغر

4 د للقراءة
4 د للقراءة
انتخابات الجامعة الأردنية 2026: قراءة لمشهد المختبر السياسي المصغر

صراحة نيوز – بقلم ليث ذياب
في عام 2026، تعود انتخابات اتحادات الطلبة في الجامعات الأردنية لتفرض نفسها كأحد أبرز المؤشرات الحيّة على تحولات المجال العام، لا بوصفها استحقاقًا طلابيًا عابرًا، بل كمرآة دقيقة لنبض المجتمع واتجاهاته. ومع إعلان عدد من الجامعات، وعلى رأسها الجامعة الأردنية واليرموك ومؤتة عن مواعيد انتخاباتها، واختتام انتخابات مجلس الطلبة في الجامعة الألمانية الأردنية بفوز كتلة “الوعي”ب ١٢ مقعد لكن يتجه الاهتمام الأكبر نحو الجامعة الأردنية تحديدًا حيث تكتسب الانتخابات فيها طابعًا مختلفًا فهو أقرب إلى حدث سياسي-مجتمعي مكتمل الأبعاد فانتخابات الجامعة الأردنية تعد محاكاة مصغرة للانتخابات النيابية. فمن يتأمل هذا المشهد يدرك أن المنافسة لم تعد محصورة في حدود التمثيل الطلابي بل باتت تعبيرًا عن تحولات أعمق في الوعي الجمعي، وعن مستوى متقدم من النضج السياسي في ظل بيئة أخذت تتسع تدريجيًا أمام العمل الحزبي المنظم داخل الحرم الجامعي.

و يلاحظ ايضاً ان هذه الدورة في سياق تطور ملحوظ في نزاهة العملية الانتخابية حيث يغيب الحديث إلى حد كبير جدا عن أي تدخلات خارجية، في دلالة واضحة على تحسن البنية المؤسسية للجامعة وقدرتها على إدارة استحقاقاتها الديمقراطية بثقة ومسؤولية. هذا التحول لا يمكن التقليل من شأنه إذ يعيد الاعتبار للجامعة بوصفها الحاضنة الطبيعية لتشكّل الوعي السياسي لدى الشباب ويمنح العملية الانتخابية شرعية مضاعفة تتجاوز النتائج إلى ترسيخ ثقافة المشاركة ذاتها. وفي هذا الإطار فلم تعد الانتخابات مجرد آلية اختيار بل أصبحت ممارسة ديمقراطية تُختبر فيها قدرة الطلبة على التنظيم، والتعبير، وبناء التحالفات ضمن قواعد تنافسية أكثر انضباطًا.

أما من حيث البنية الداخلية للمشهد الانتخابي، فتبدو انتخابات هذا العام أكثر تعقيدًا وتركيبًا فمع اقتراب موعد الانتخابات بدأت تتشكّل التحالفات والقوائم. ومن الواضح ان “الفزعة” الاجتماعية لم تعد هي المحدد الوحيد للسلوك الانتخابي، بل تراجعت نسبيًا (مع بقاءها كالعامل الأكبر) لصالح منافسة برامجية وإن كانت لا تزال في طور التشكل. وقد برزت في السنوات الأخيرة قوائم متعددة مثل النشامى، وأهل الهمة، والعودة، والتجديد، والكرامة، و”لنا”، إلى جانب ظاهرة “حلف وطن” التي سعت إلى إعادة تنظيم الامتداد الاجتماعي ضمن إطار انتخابي أكثر مؤسسية. فهذا التداخل السياسي والاجتماعي يعكس حالة انتقالية يعيشها العمل الطلابي حيث تتجاور أنماط تقليدية مع محاولات جادة للتحديث، في مشهد يعكس بكل تعقيداته صورة مصغّرة عن المجتمع الأردني نفسه.

وفي قراءة سلوك القوائم، يبرز تمايز واضح في الخطاب والأدوات؛ إذ استطاعت قائمة النشامى مخاطبة المزاج العام بخطاب وطني يجمع بين البعد العام والمطالب الخدماتية، فيما حافظت قائمة أهل الهمة على امتدادها المرتبط بالتيار الإسلامي أما قائمة العودة فاستمرت في تمثيل خطابها الوطني الفلسطيني لكنها مطالبة بترجمة هذا الخطاب إلى أولويات طلابية يومية، في حين قدمت قائمة التجديد طرحًا أكثر وضوحًا في القضايا المطلبية كرسوم الدراسة والحريات. كذلك سعت قائمة الكرامة إلى التموضع كخيار وسطي بخطاب حقوقي تمثيلي، فيما شكّل “حلف وطن” ظاهرة لافتة منذ انتخابات اتحاد الطلبة في عام ٢٠٢٤ أعادت النقاش حول دور الهويات الاجتماعية في الانتخابات الجامعية ولكن ضمن صيغة أكثر تنظيمًا. وبالمحصلة، يبدو أن انتخابات 2026 تتجه لتكريس نموذج أكثر توازنًا، حيث لا تختفي العوامل التقليدية، لكنها لم تعد العامل الحاسم الوحيد، في وقت تواصل فيه الجامعة أداء دورها كمختبر حيّ لتشكّل الممارسة السياسية، وكرافعة لإنتاج جيل أكثر وعيًا وقدرة على الانخراط في الشأن العام.

Share This Article