صراحة نيوز- بقلم: جهاد مساعدة
ليس أخطر على النقاش العام من أن نخلط بين الانطباع والتحليل، وأن نُلبس التقدير السياسي ثوب الحقيقة المطلقة. المقال الذي وُصف فيه أداء الحكومة بأنه ارتباك وخشية من الصوت العالي يقع في هذا الخلط؛ إذ يقرأ النتيجة، لكنه لا يقرأ سياقها.
ما جرى في ملف قانون الضمان الاجتماعي لا يمكن تبسيطه إلى ضغط ثم تراجع. هذا توصيف سهل، لكنه لا يفسّر واقعًا أعقد بكثير.
نحن أمام قانون يمسّ استقرار صندوق وطني، ويؤثر في حاضر ملايين الأردنيين ومستقبلهم، ويستند إلى حسابات اكتوارية دقيقة. في مثل هذا الملف، لا تُقاس القرارات بسرعة تمريرها، بل بقدرتها على الصمود لسنوات.
الحكومة، حين طرحت مشروعها، كانت تدرك حساسية اللحظة. وحين اتسع الجدل، لم تدخل في معركة كسر عظم، بل اختارت أن تعيد فتح النقاش. هذا ليس انسحابًا من المواجهة، بل إدارة مسؤولة لها. الفرق بين التراجع والمراجعة كبير؛ الأول يُفقد القرار هيبته، أما الثاني فيمنحه شرعية أوسع.
القول إن الحكومة ترضخ للصوت العالي يتجاهل حقيقة أساسية:
في الدول التي تحترم مؤسساتها، لا يُنظر إلى ارتفاع الأصوات بوصفه تهديدًا، بل مؤشرًا على حيوية النقاش. والحكومة التي تُنصت لا تُضعف نفسها، بل تُحصّن قرارها من الأخطاء.
أما ما يتعلق بلجنة العمل النيابية، فإن ما قامت به من مراجعة وتدقيق وحوار موسع هو جزء طبيعي من عمل السلطة التشريعية. الاختلاف بين الحكومة واللجنة لا يعني صراعًا، بل يعكس توازنًا مؤسسيًا مطلوبًا. تحويل هذا الاختلاف إلى رواية عن عجز حكومي يختزل دور المؤسسات، ويُفرغ العملية التشريعية من معناها.
الأكثر لفتًا في المقال هو الانتقال من الوقائع إلى النوايا؛ إذ يُبنى استنتاج بأن الحكومة ستعيد تشكيل اللجنة على المقاس. هذا ليس تحليلًا بقدر ما هو افتراض مسبق لا يستند إلى دليل، ويحمّل المشهد أكثر مما يحتمل.
وفي هذا السياق، لا يمكن إغفال الدور الذي يقوده دولة الدكتور جعفر حسان، الذي يدير المرحلة بعقلية هادئة، توازن بين متطلبات الإصلاح وضرورات الاستقرار، مستندًا إلى فريق وزاري يعمل بروح المسؤولية، وبحرص واضح على حماية المكتسبات الوطنية وتعزيزها. هذا النهج لا يقوم على ردود الفعل، بل على قراءة دقيقة للمشهد، واستشراف لما قد تؤول إليه القرارات على المدى البعيد.
ومن المهم الإشارة هنا إلى أن بعض الأحزاب، في خضم هذا الجدل، تحاول أن تركب الموجة وتستثمر في رفع سقف الخطاب لزيادة شعبيتها، غافلةً أن بناء الوطن لا يتم عبر المزايدات أو كسب النقاط السريعة، بل يحتاج إلى تكاتف وطني صادق، لا تناكف سياسي.
نعم، هناك قلق مشروع على مستقبل صندوق الضمان، وهذا القلق يستوجب نقاشًا جادًا حول المعالجات المطلوبة. لكن هذا النقاش لا يُدار بمنطق التخوين أو المزايدة، ولا بتحويله إلى ساحة لتصفية الحسابات السياسية. المطلوب هو حوار مبني على الأرقام والبدائل، لا على توصيفات جاهزة.
الدولة القوية ليست تلك التي تمضي في قراراتها رغم الاعتراض، بل التي تعرف متى تتقدم، ومتى تتوقف، ومتى تعيد الحسابات. والحكومة، في هذا الملف، لم تفقد زمام المبادرة، بل اختارت أن تُديرها بهدوء، بعيدًا عن الاستعراض.
قد يختلف البعض مع الحكومة في بعض التفاصيل، وهذا حقٌّ مشروع. لكن من الظلم أن نختزل سلوكًا سياسيًا مركّبًا في كلمة ارتباك، وأن نغفل أن الحكمة أحيانًا تكون في التريّث، لا في التعجّل.
لهذا، ما حدث لا يعكس حكومة خائفة، بل حكومة متزنة… تدرك أن القرارات الكبرى لا تُفرض بالصوت العالي، بل تُبنى على أساسٍ صلبٍ من المسؤولية والتقدير، بقيادة واعية، وفريق وزاري يعمل بعينٍ على الحاضر… وأخرى على مستقبل الوطن.

