ضريبة الطمأنينة.. حين يصبح الانتظار ثمنًا لحياةٍ آمنة يصنعها رجال الحدود
صراحة نيوز- بقلم: الإعلامي الدكتور محمد العشي
في عالمٍ تتسارع فيه التحديات الأمنية، وتتشابك فيه الأزمات العابرة للحدود، لم يعد الأمن مجرد إجراء روتيني أو مهمة تقليدية تؤديها مؤسسات الدولة، بل أصبح منظومة سيادية متكاملة تقوم على اليقظة والانضباط والدقة العالية في حماية الأوطان وصون استقرار المجتمعات.
وفي كل مرة نعبر فيها حدود الوطن عائدين إلى المملكة الأردنية الهاشمية، قد يظن البعض أن دقائق الانتظار أو الإجراءات الدقيقة على المنافذ الحدودية ليست سوى تأخير مرهق أو تعقيد غير مبرر، غير أن الحقيقة الأعمق تكمن في أن الحدود ليست مجرد نقطة عبور أو ختم على جواز سفر، بل هي خط الدفاع الأول عن استقرار الدولة وأمن المجتمع. فخلف كل إجراء احترازي تقف دولة بكامل مؤسساتها، تعمل بصمت ومسؤولية عالية من أجل أن يبقى الأردن واحة أمن واستقرار وسط محيط إقليمي شديد التعقيد.
وقبيل الأسبوع الماضي، وأثناء عودتي من الجمهورية العربية السورية الشقيقة إلى بلدي الحبيب الأردن، استوقفني مشهد تكرر أمامي على المعبر الحدودي؛ حالة من التذمر والعصبية بين بعض المسافرين نتيجة تأخر إجراءات الدخول، حيث كان بعضهم على عجلة من أمره للوصول إلى العاصمة عمّان أو استكمال طريقه نحو محافظة الكرك الأبية.
ومع تصاعد حالة الضيق والاستياء، كان الاعتقاد السائد لدى البعض أن ما يجري هو تعطيل غير مبرر أو تأخير يمكن تجاوزه بسهولة. والمؤسف أن بعض المستعجلين يختزلون مشهدًا وطنيًا كاملًا في دقائق انتظار، ويظنون أن من يقف على الحدود يسعى لتعطيلهم، متناسين أن هؤلاء يؤدون واجبهم في حماية وطن بأكمله. بينما في الواقع، ورغم ضغط العمل وكثافة حركة المسافرين، كان الجميع يؤدي مهامه بهدوء وانضباط يعكس صورة الدولة وهيبتها.
أمام هذا المشهد، وجدت نفسي مدفوعًا للحديث، لا دفاعًا عن الوقت الضائع، بل دفاعًا عن معنى أعمق اسمه “الأمن”، وعن قيمة وطنية لا تُقدّر بثمن اسمها “الطمأنينة”.
قلت لهم حينها:
«إن هذه الدقائق التي تضجرون منها اليوم، هي ذاتها التي تمنحكم القدرة على العيش بأمان غدًا. فأنتم تنظرون إلى المشهد من زاوية الاستعجال، بينما تنظر إليه الدولة من زاوية حماية وطن بأكمله. هؤلاء الرجال لا يؤخرون الناس عبثًا، بل يقتطعون من وقتهم لحظات محدودة ليمنحوهم حياة مستقرة وآمنة، فما نخسره من دقائق على المعابر، نربحه سنوات من الاستقرار والأمان».
وهنا، كان لا بد من التذكير بالدور العظيم الذي تقوم به مؤسساتنا الوطنية كافة؛ من القوات المسلحة الأردنية – الجيش العربي، ودائرة المخابرات العامة، والأمن العام، وقوات الدرك، والدفاع المدني، والجمارك الأردنية، وكافة الكوادر العاملة على المعابر والمنافذ الحدودية، الذين يؤدون واجبهم الوطني في ظروف دقيقة، وبأقصى درجات الانضباط والمسؤولية.
ولأن بعض الحقائق تصل بالموقف أكثر من الكلمات، وجهت حديثي إلى إحدى المسافرات التي أبدت انزعاجها من الانتظار، وسألتها:
«هل تستطيعين الخروج من منزلك في أي وقت، حتى بعد منتصف الليل، لقضاء احتياجاتك أو زيارة أحد أفراد عائلتك دون خوف؟»
فأجابت بثقة:
«نعم، أخرج وأنا مطمئنة».
فقلت لها:
«هذا الشعور بالأمان الذي تعيشينه يوميًا، هو نتيجة مباشرة لجهود رجال يعملون بصمت هنا وعلى امتداد حدود الوطن، حتى تبقى الحياة في الأردن بهذا القدر من الاستقرار والطمأنينة».
ثم سألت أحد المسافرين:
«هل تترك أطفالك يلعبون أمام منزلك وأنت مطمئن عليهم؟»
فأجاب دون تردد:
«نعم».
فقلت له:
«هذه الطمأنينة لا تأتي من فراغ، بل تُصنع يوميًا بجهود رجال يدركون أن أي تهاون، مهما بدا بسيطًا، قد تكون له نتائج خطيرة على مجتمع بأكمله».
إن الإجراءات الدقيقة التي تُطبق على المعابر البرية والجوية والبحرية ليست إجراءات شكلية، بل تمثل خط الدفاع الأول عن أمن الدولة والمجتمع في مواجهة التهديدات والآفات العابرة للحدود، كالمخدرات والجريمة المنظمة.
فكثير من الجهود الأمنية الناجحة لا يشعر بها المواطن أصلًا، لأنه يعيش نتائجها اليومية على شكل استقرار وطمأنينة. وفي إقليم يزداد تعقيدًا يومًا بعد يوم، حيث باتت شعوبٌ كثيرة تخشى استخدام هواتفها في الأماكن العامة أو ترك مركباتها للحظات، تصبح الدقة في العمل الأمني الأردني ضرورة وطنية وليست خيارًا.
ولعل ما يميز الأردن، رغم كل الظروف والتحديات المحيطة، هو ذلك الشعور العميق بالأمان الذي ما زال المواطن يلمسه في تفاصيل حياته اليومية؛ في خروجه ليلًا، وفي اطمئنانه على أسرته، وفي ثقته بأن خلف هذا الاستقرار مؤسسات أمنية وعسكرية تعمل بلا توقف.
إن رجل الأمن الذي يقف لساعات طويلة تحت حرارة الشمس أو قسوة البرد، لا يقوم بواجبه من أجل تعطيل الناس أو تعقيد حياتهم، بل لأنه يدرك أن حماية الوطن تبدأ من يقظة لا تعرف التهاون.
ومن هنا، فإن احترام الإجراءات الأمنية والتعاون مع العاملين على المعابر والمنافذ الحدودية ليس مجرد التزام تنظيمي، بل هو واجب وطني وأخلاقي يعكس مستوى الوعي الحقيقي بقيمة الدولة وهيبتها. فالأمن ليس مسؤولية الأجهزة وحدها، بل هو شراكة متكاملة بين مؤسسات الدولة والمواطن الواعي.
وفي النهاية، سيبقى الأردن — بقيادته الهاشمية الحكيمة، وبجهود قواته المسلحة وأجهزته الأمنية كافة، ووعي شعبه — نموذجًا راسخًا في الأمن والاستقرار، رغم كل ما تشهده المنطقة من تحديات ومتغيرات.
فالأمن لا يُمنح صدفة، بل يُصنع كل يوم بجهود رجال يقفون بصمت على ثغور الوطن.
وما بين دقيقة انتظار على الحدود… وطمأنينة وطن كامل، تقف دولة اسمها الأردن.
حفظ الله الأردن الغالي، قيادةً وشعباً وجيشاً، وأدام علينا نعمة الأمن والأمان، وجعله واحة استقرارٍ وسلامٍ على الدوام.

