مبيعات صادمة.. لماذا يصر سياسيو فرنسا على تأليف كتب لا يقرؤها أحد؟

3 د للقراءة
3 د للقراءة
مبيعات صادمة.. لماذا يصر سياسيو فرنسا على تأليف كتب لا يقرؤها أحد؟

صراحة نيوز – صنفت مجلة “GQ” كتاب الوزيرة الفرنسية السابقة كريستين بوتان، عن حزبها الديمقراطي المسيحي، ضمن “أقل الكتب السياسية شعبية في التاريخ الفرنسي”، بعدما باعت 38 نسخة في خمس سنوات، منذ صدوره عام 2010.

ورغم ذلك، تمتلئ  كل عام أرفف قسم “السياسة” في مكتبات فرنسا بعشرات الكتب الجديدة التي كتبها وزراء عابرون ومرشحون طامحون وزعماء أحزاب يريدون أن يُقال عنهم “أصحاب رؤية”.

تقليد لا يموت
في سوق النشر الفرنسية التي تجاوزت مبيعاتها 426 مليون نسخة عام 2024، لا تُشكّل فئة “الوثائق والأعمال السياسية” إلا 3.6% من الإجمالي، وفق اتحاد دور النشر الوطني.

وتعد الكتب السياسية التي يؤلفها المسؤولون هي “نخبة النخبة”، وفق تعبير مجلة “تايم فرانس”، ومع ذلك يواصل السياسيون إصدارها.

وقال تيري بيلار، المدير التحريري لدار روبير لافون، إن “ثلاثة آلاف نسخة مباعة لكتاب سياسي تُعدّ نجاحاً”، ويُدرك الجميع صراحةً واقع السوق.

من جهته، قال عضو البرلمان الأوروبي جيل بواييه، المتعاون الكتابي لإدوار فيليب: “لا أحد ينتظر كتابنا، يمكن أن نمضي عاماً دون كتابة ولن يتظاهر أحد في الشارع مطالباً بإصدار جديد”.

ويُفسّر هذا التناقض الظاهر بثلاثة دوافع متراكبة يرصدها عالم السياسة كريستيان لو بار، مؤلف دراستين عن “السياسيين الكتّاب”: أولاً إثبات الأهلية الفكرية، لأن “الكتاب يصنع المرشح الرئاسي”، مستشهدًا بتجارب جاك شيراك قبل 1995، وفرنسوا هولاند في 2012، وإيمانويل ماكرون في 2016، والقاعدة غير المكتوبة، وفق وزير سابق رفض الكشف عن هويته: “إن لم تنشر كتابك بحلول الخمسين، فأنت أضعت مسيرتك السياسية”.

وثانياً توقيت الكتاب يتبع توقيت الطموح: قبل الوصول إلى السلطة لإرساء رؤية، وأثناء المنصب لتبرير القرارات، وبعده لتصفية الحسابات أو صياغة الإرث.

وثالثاً الكتاب يبني العلاقة مع “جمهور الأوفياء”: أولئك الذين لن ينتخبوك بالضرورة لكنهم يشترون كتابك، يحضرون مقابلاتك التلفزيونية، ويمنحونك وجوداً في المشهد العام.

كسر القاعدة
رئيس التجمع الوطني جوردان بارديلا، والرئيس السابق نيكولا ساركوزي، يُثبتان أن المعادلة يمكن أن تنقلب. فرئيس التجمع الوطني نشر كتابين في أقل من عام، الأول بلغت مبيعاته 230 ألف نسخة والثاني تجاوز 100 ألف.

وقال عنه أحد المنتخبين الماكرونيين بمرارة: “بمساعدة بولوريه جعل الكتابَ يُدرّ عليه الملايين إضافةً إلى تموضعه في السباق الرئاسي”.

أما نيكولا ساركوزي، المحكوم عليه قضائياً والمهزوم سياسياً، فلا يزال يُحافظ على خيط لا ينقطع مع شريحة من الفرنسيين عبر الرواية الشخصية. كتابه “يوميات سجين” الذي كتبه خلال احتجازه الجنائي لثلاثة أسابيع أواخر 2025 بيع منه 100 ألف نسخة في أسبوع واحد فقط.

تناقض مقلق
التناقض المُقلق في المشهد الفرنسي هو أن الكتاب السياسي في جوهره لا يُكتب للقارئ العادي. هو موجّه للصحفيين الذين سيستشهدون به، وللناخبين الذين سيسمعون الكاتب يشرحه في التلفزيون، وللتاريخ الذي سيُصنّف صاحبه “سياسياً صاحب فكر”.

المعادلة المقلوبة أن الكتاب يُقرأ بشكل غير مباشر من خلال المقابلات والتلخيصات الصحفية أكثر مما يُقرأ فعلياً، والسياسي يعرف ذلك تماماً، لكنه يكتب على أي حال.

Share This Article