صراحة نيوز-بقلم / د.عبدالله سرور الزعبي
في الولايات المتحدة، فريدمان، الذي جال العالم، يصف الطبقة السياسية، بأنها “تتقن لعبة تبادل الأدوار أكثر من إتقانها للسياسات نفسها”. ولو أسقطنا هذا الوصف على الحالة الأردنية لوجدناه ينطبق بدقة، لكن بنكهة محلية أشد قسوة، نخب تتحدث بالإصلاح في العلن، وتدير صفقات البقاء في الخفاء، نخب تظهر القداسة، وتتباكى على المظلومية في الخطاب، بينما تمارسها بذكاء ضد كل كفاءة وطنية حقيقية.
هذه النخب تعيش تناقضاً صارخاً، خارج السلطة هي “معارضة وإصلاحية”، وتدعي المظلومية الذكية، وهذا ليس ضعفاً، بل تكتيكاً (لكنها تتوحد على هدف، إقصاء الكفاءات الوطنية المخلصة التي لا تدخل ضمن فريقهم لإدامة النفوذ)، وداخلها تتحول إلى “حراس للامتيازات”، وتزييف وعي المجتمع حتى يبدو الخطأ قدرًا لا مفر منه.
في الأردن، تتكرر هذه المعادلة، ملك يطرح رؤية إصلاحية واضحة، ويوجه البوصلة نحو الإصلاح الحقيقي، لا التجميلي ويقدّم رؤية لمستقبل الدولة، واقتصاد إنتاجي، وحياة حزبية متوازنة، وإصلاح سياسي يعيد الاعتبار للمجتمع، وعدالة اجتماعية تعزز الثقة بين المواطن والدولة. لكن النخب، بدل ترجمة هذه الرؤية إلى أفعال، تقوم بتجميدها في بروتوكولات وإعلانات إعلامية، وتفرغها من مضمونها في الكواليس، وتعيد رسم مصالحها في الغرف المغلقة، وتحوّلها إلى شعارات، والأدهى أن خلافاتها لا تمنعها من الاتحاد بهدف تعطيل تنفيذ التوجيهات الملكية، وإقصاء الكفاءات المنجزة (عبر تلفيق التهم وتشويه السمعة والحقائق، وتقزيم الإنجازات، وتحويل الناجح إلى مُشتبه فيه، فالفضيلة لا تكافأ بالتصفيق أحياناً، بل أحياناً بالعداء، دوستويفسكي)، وتُدفن أي مبادرة صادقة تحت ركام البيروقراطية، ليبقى النجاح حكرًا على المعروفين لمن هم داخل الحلقة، لا بل التسويق لإنجازات يتبين فيما بعد بأنها لا وجود لها، وتمر دون مسألة.
الرؤية الملكية الطموحة تتطلب شجاعة تنفيذية، لكن هناك من يتعامل معها كغنيمة سياسية يجب تدويرها باستمرار. كل مرحلة إصلاحية تتحول إلى فرصة لإعادة التدوير، مع تغيير المقاعد لا تغيير النهج، وهذا تطبيقاً مباشراً لمقولة أنطونيو غرامشي “الأزمة تكمن في أن القديم يموت والجديد لم يولد بعد، وفي الفراغ تظهر أشكال مشوهة من السلطة”، وقول فولتير “القديم يرفض أن يموت، والجديد يُمنع من الولادة، والمجتمع يُترك في حلقة لا تنتهي من التردّد وخيبة الأمل”. إن مثل هذه الأقوال تنطبق على الصراع بين الرؤية الملكية الحديثة والإدارة النخبوية التقليدية التي تحمي مصالحها، وتتصرف كأوصياء على المستقبل، والنتيجة، صراع على المكاسب لا على المبادئ. إنها خيانة ناعمة للرؤية الملكية، بدعم لفظي في الإعلام، وتعطيل عملي على الأرض.
لكن الأخطر ليس فقط في تضليل المجتمع، بل في هندسة الأفراد، فالنخب لم تكتفِ بالتحكم في مواقعها، بل أتقنت هندسة الولاءات، حيث يتم استقطاب أشخاص من المعارضة إلى الولاء، والعكس كذلك، عبر المال والامتيازات، أو غيرها، ويُدفع آخرون بالعكس من الولاء الى المعارضة، وأقلها إلى حالة اللامبالاة. لعبة مكر متقنة، وجوه تتبدل مواقفها، تجعل المواطن حائراً، من هو الحقيقي؟ من هو المبدئي؟ ومن هو المستأجر؟ في ظل ولاء يُشترى، ومصداقية تُباع.
هذه الفئة التي يُشترى ولاؤها، بكل تأكيد لا يخدمون الرؤية الملكية ولا الوطن بصدق، بل يصبحون عقبة أمام الإصلاح، وهم مستعدون للتنازل عن المبادئ مقابل ضمان بقائهم في السلطة، لحماية المصالح الخاصة على حساب المصلحة العامة (الولاء المشتَرى ليس ولاءً، بل مصلحة مؤقتة، والنتائج أثبتت بالتجارب، لا بالنيات والشعارات)، وهم ما ينطبق عليهم قول الرسول صلى الله عليه وسلم، “آية المنافق ثلاث، إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان”.
الصدمة الكبرى جاءت مع التصريحات الأخيرة، والفيديوهات المنتشرة، خلال الأسبوع الماضي، والتي هزت الرأي العام، بأن الانتخابات النيابية لا تعكس إرادة المجتمع بل تُدار بهندسة مسبقة. كأنهم يقولون للمجتمع، إن القوم في العلن يمارسون الديمقراطية، وفي السر خرائط جاهزة، وكأننا نعيش في لعبة مغلقة (ويبقى الشعب يُخدع حين يعتقد أنه صاحب السيادة بينما السيادة قد صودرت سلفاً، حسب جان جاك روسو). ان التصريحات الأخيرة، وكأنها تقول بان قول روسو، يتطابق مع واقع الأردنيين الذين يذهبون إلى صناديق الاقتراع بينما يتم هندسة النتائج والتحكم بالعملية الانتخابية من قبل النخب، وبعدها نسأل، لماذا كان هناك ربع مليون ورقة انتخابية بيضاء في الصناديق؟ أليس هذا تعبيراً واضحاً عن حالة الاستياء العام، ويعكس فقدان الثقة، بسبب التحكم في القرارات وإقصاء الكفاءات، ولتنفيذ عملية الاقصاء (إذا لم يجدوا ضدهم ما يعيق)، تظهر الحجج الواهية أمام صاحب القرار (وحتى تكتشف الحقيقة يكون هدفهم تحقق).
ان التصريحات الأخيرة تقول، بأن الواقع مؤلم، وهو ما يشعر به كثير من الأردنيين عند ذهابهم للصناديق، بان الصوت الحقيقي لا يخرج من الصندوق، وأن القانون والعملية السياسية لم تعد ساحة عدل، بل ساحة يُقصى منها كل من يحاول أن يكون صادقاً في خدمة الوطن، ومما يفقد المواطن بجدوى المشاركة بالإصلاح، ويترسخ في الذهن الشعبي أن “اللعبة مغلقة”، وأن من يحاول كسرها إما يُسقط أو يُشوَّه.
ومع كل ذلك، ان أصحاب التصريحات، والفيديوهات الأخيرة ومن يقف وراءها، تناسوا جميعاً، بان حماية مؤسسات الدولة الوطنية وحفظ أسرارها، يجب أن تكون من أقدس الالتزامات لرجال الدولة، وأن ما يمارس في مثل هذه الحالات من قبل بعض المؤسسات (إذا كان بعيداً عن الشخصنة)، ما هو الا لتحقيق المصلحة الوطنية الكبرى.
ان الانفصام بين خطاب العلن وخطط الغرف المغلقة، ولّد زلزال ثقة بين المجتمع ومؤسساته، وهذا ما أجاب عنه مونتسكيو، قائلاً “حين ينهار الإيمان بالعدالة، تصبح القوانين مجرد شِباك لصيد الضعفاء”، وتطبيق مباشر لرأي فيبر “الشرعية السياسية تتأسس على المصداقية والكفاءة، وليس على الوراثة أو الامتيازات الشخصية”، وهو ما يبرز الفجوة بين ما يطالب به الملك من إصلاحات وبين النخب التي مهمتها المحافظة على الامتيازات. ان مثل هذا الواقع ينتج آثاراً مدمرة، منها زعزعة ثقة المجتمع بكل ما هو سياسي، وتشويه صورة الإصلاح بحيث يبدو مجرد واجهة للتدوير، وإفراغ المشاركة الشعبية من معناها، (في حال تولدت القناعة لدى المواطن، بان صوته عبارة عن ورقة تذروها رياح الهندسة.
اليوم، لم تعد المسألة صراعاً على المقاعد، بل على معنى الدولة نفسها، هل هي عقد اجتماعي حقيقي يقوده ملك صاحب رؤية إصلاحية، أم ساحة مغلقة تحكمها نخب تحترف لعبة البقاء؟ وعلينا ان نفهم بان التاريخ لا يرحم من جعل المظلومية الذكية وسيلة لإدامة الامتيازات على حساب الوطن” وأفضل تعبير عن هذه الفئة ما قاله إبراهام لنكولن “الحكومة للشعب ومن الشعب، لا لأفراد يختبئون خلف المناصب”، إنها رسالة للنخب قبل غيرها، أن الرؤية لا تُغتال بالشعارات، وأن الشعوب قد تصبر، لكنها لا تنسى.
الطريق للخروج لا يمر عبر تجميل الصورة ولا بتدوير الأشخاص، بل عبر إعادة تعريف من هو النخبوي، وليس من يحجز مقعداً في الدائرة ليعاد تدويره عبر العقود، بل من يترك أثراً نزيهاً في خدمة الوطن. الخروج من هذه الحلقة يتطلب شجاعة سياسية وأخلاقية، تعيد تعريف النخبة على أساس خدمة الصالح العام لا الاحتكار، تطبيقاً لتوجيهات الملك، الولاء والانتماء وقيم العدالة وتكافؤ الفرص بقوة القانون. في خطاب سابق، أكد الملك، أن هذه القيم، هي دعوة للمشاركة في حمل المسؤولية، مشيرًا إلى أن النخب السياسية الواعية هي القادرة على أن تأخذ دورها وتعرف مسؤولياتها، وتتبصر بتجليات المرحلة التاريخية التي تقتضي توفير البيئة الآمنة والأسلوب الحضاري في التعبير عن الرأي والرأي الآخر.