صراحة نيوز- بقلم/ انس الرواشدة
يعد موضوع تنظيم ساعات العمل وأيام العطل الأسبوعية من القضايا المحورية التي تؤثر بشكل مباشر على الإنتاجية، والرفاه الاجتماعي، والاقتصاد الوطني في أي دولة تسعى للتحديث والتطوير. وفي المملكة الأردنية الهاشمية، برز نقاش جاد ومستمر حول إمكانية تطبيق نظام العطلة الأسبوعية الممتدة لثلاثة أيام لموظفي القطاع العام، وهي خطوة من شأنها إحداث تحولات جوهرية في بيئة العمل والحياة اليومية. إن دراسة هذا المقترح لا تقتصر على الجانب الإداري فحسب، بل تمتد لتشمل الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية والبيئية، وتحديداً فيما يتعلق بالمنافع المادية التي يمكن جنيها كنتيجة مباشرة لهذا التغيير التنظيمي.
إن الانتقال إلى أسبوع عمل مدته أربعة أيام مقابل ثلاثة أيام عطلة هو اتجاه عالمي تتبناه العديد من الدول المتقدمة لإعادة تعريف العلاقة بين العمل والحياة الشخصية. الفلسفة وراء هذا التحول تقوم على مبدأ أن زيادة فترات الراحة لا تؤدي بالضرورة إلى انخفاض في المخرجات، بل قد ترفع من جودة العمل المنجز. بالنسبة للقطاع العام الأردني، حيث تتسم بعض الإدارات بجمود إجرائي وبطء في التفاعل، يمكن أن تكون العطلة الممتدة بمثابة محفز نفسي وإداري هائل.
تتجلى الجوانب الإيجابية لهذا القرار في عدة محاور رئيسية. أولاً، تحسين مستوى الرفاهية للموظف. إتاحة يوم إضافي للراحة يمنح الموظف وقتاً كافياً للالتزامات العائلية، والمتابعة الصحية، والأنشطة الترفيهية أو التطوير الذاتي. الموظف الذي يتمتع براحة كافية يكون أقل عرضة للإرهاق والاحتراق الوظيفي، مما ينعكس إيجاباً على حضوره الذهني وقدرته على التركيز خلال أيام العمل الأربعة المتبقية. تشير دراسات دولية، مثل تلك التي أجريت في آيسلندا والمملكة المتحدة، إلى أن التركيز الشديد خلال ساعات العمل المحددة يؤدي إلى إنتاجية أعلى مقارنة بالفترات الطويلة الموزعة على خمسة أيام.
ثانياً، تعزيز الإنتاجية والكفاءة. عندما يعلم الموظف أنه مطالب بإنجاز نفس حجم المهام في وقت أقل، فإنه يميل بشكل طبيعي إلى ترتيب أولوياته وتنظيم وقته بفاعلية أكبر. هذا الضغط الإيجابي يحفز على تبني إجراءات عمل أكثر رشاقة واستغلال التكنولوجيا لتقليل المهام الروتينية غير الضرورية. في السياق الأردني، يمكن أن يدفع هذا القرار نحو تسريع عملية التحول الرقمي في الحكومة، وهو هدف استراتيجي تسعى إليه المملكة.
ثالثاً، الأثر البيئي. تقليل عدد أيام العمل يعني بالضرورة تقليل عدد الرحلات اليومية للموظفين إلى مقار العمل. هذا الانخفاض في حركة السير والمركبات يترجم مباشرة إلى توفير في استهلاك الوقود وانخفاض في الانبعاثات الكربونية. الأردن، الذي يعاني من تحديات بيئية وموارد طاقة محدودة، يمكن أن يستفيد بشكل ملموس من هذا التخفيض في البصمة الكربونية اليومية للقطاع الحكومي الضخم.
أما فيما يتعلق بالجوانب الاقتصادية وتوفير المبالغ، فإن هذا القرار يقدم وفورات غير مباشرة ومباشرة للحكومة. الوفورات المباشرة تأتي بشكل أساسي من خفض النفقات التشغيلية للمباني الحكومية في اليوم الإضافي للعطلة. هذا يشمل توفيراً كبيراً في استهلاك الطاقة الكهربائية اللازمة لتشغيل أنظمة التكييف، والإنارة، والمعدات المكتبية على مستوى جميع الوزارات والمؤسسات العامة المنتشرة في المملكة. بالنظر إلى التكاليف المرتفعة للطاقة في الأردن، فإن إغلاق هذه المرافق ليوم كامل إضافي أسبوعياً سيحقق وفورات تقدر بملايين الدنانير سنوياً. على سبيل المثال، إذا افترضنا متوسط استهلاك يومي لمجموعة من المباني الحكومية الكبيرة، فإن توفير الطاقة لمدة 52 يوماً إضافياً في السنة يمكن أن يغطي جزءاً كبيراً من ميزانية صيانة أو تطوير تكنولوجيا المعلومات.
إضافة إلى ذلك، هناك وفورات متعلقة بالصيانة الدورية للمرافق. تقليل استخدام المباني يوم إضافي يطيل من عمر الأجهزة والمعدات، مما يقلل من الحاجة إلى الصيانة الطارئة أو الاستبدال المبكر. هذا التوفير يصب مباشرة في الموازنة العامة للدولة.
على الصعيد غير المباشر، يساهم هذا القرار في تنشيط الاقتصاد المحلي من خلال زيادة الإنفاق الترفيهي. الموظف الذي يمتلك ثلاثة أيام متصلة للراحة سيقضي وقتاً أطول في الأنشطة الترفيهية، والسفر الداخلي القصير، والخدمات التي تتطلب وقتاً طويلاً مثل زيارة المعالم السياحية أو قضاء الوقت في المطاعم والأسواق. هذا التحول في أنماط الاستهلاك يضخ سيولة إضافية في قطاعات السياحة الداخلية والخدمات، مما يدعم النمو الاقتصادي بشكل عام. كما أن توفير الوقت للموظفين يعني تقليل التغيب غير المخطط له بسبب الالتزامات الشخصية العاجلة، مما يحسن كفاءة الإنفاق على الأجور.
بالطبع، يواجه تطبيق هذا النظام تحديات تتطلب معالجة دقيقة، لا سيما في القطاعات التي تتطلب استمرارية الخدمة مثل الصحة، والأمن، والتعليم. يتطلب النجاح في تطبيق العطلة الثلاثية تصميم جداول مناوبات ذكية تضمن تغطية مستمرة للجمهور، مع الاستفادة من أنظمة العمل المرن لبعض الوظائف. يجب أن يتم التقييم المستمر للتأثير على الخدمات المقدمة للمواطنين لضمان ألا يؤدي التوفير المالي أو زيادة الرفاهية إلى تدهور في جودة الخدمة العامة.
في الختام، إن تبني نظام العطلة الأسبوعية الممتدة لثلاثة أيام لموظفي القطاع العام في الأردن يمثل خطوة جريئة نحو مستقبل عمل أكثر استدامة وإنسانية. المنافع تتجاوز مجرد تحسين جودة حياة الموظف، لتشمل وفورات مالية ملموسة للحكومة عبر خفض النفقات التشغيلية واستهلاك الطاقة، ودعم النشاط الاقتصادي المحلي. إن تطبيق هذا النظام، إذا ما تم التخطيط له بعناية وتحديد آليات تغطية فعالة للخدمات الأساسية، يمكن أن يكون نموذجاً رائداً يثبت أن التنمية الاقتصادية لا تتعارض مع رفاهية العنصر البشري، بل ترتبط بها ارتباطاً وثيقاً.
أنس الرواشدة

