محطات المعرفة الأردنية: بين الرؤية الملكية والتحولات المؤسسية

7 د للقراءة
7 د للقراءة
محطات المعرفة الأردنية: بين الرؤية الملكية والتحولات المؤسسية

صراحة نيوز- د. سليمان علي الخوالدة

في ظل الحديث المتزايد مؤخراً عن الخطة الاستراتيجية لمحطات المستقبل “محطات المعرفة سابقاً”، وما رافقه من أرقام وتصريحات صحفية رسمية صادرة عن وزارة الاقتصاد الرقمي والريادة حول نسب الاستخدام الحالية، يبرز تساؤل مشروع: هل يجري تقييم المشروع بوصفه تجربة جديدة، أم بوصفه امتداداً لمبادرة وطنية ملكية رائدة عُرفت لسنوات طويلة باسم “محطات المعرفة”؟ أكتب هنا من حرصي الوطني على انصاف المؤسسات الوطنية التي دعمت نشأة المبادرة المليكة وعن الكفاءات الوطنية التي أدارت بكل اقتدار هذه المبادرة المليكة وأخص أعضاء اللجنة الملكية المشرفة عليها منذ عام 2001 ولغاية 2012. بالإضافة الى انني اكتب من واقع تجربة ميدانية مباشرة، حيث عملت في هذه المبادرة الملكية لأكثر من 23 سنة، فبدأت مسيرتي المهنية مدرباً لمحطة واحدة، ومن ثم منسقاً لمحافظة، وبعدها مديراً لمحطات المعرفة الأردنية سابقاً، والتي تم إعادة تسميتها اليوم إلى “محطات المستقبل”. وما يُطرح اليوم يعكس جزءاً من الصورة، لكنه لا يروي القصة الكاملة لمشروع وطني أسهم في بناء الشمول الرقمي في المملكة.

انطلقت محطات المعرفة كواحدة من أوائل المبادرات الملكية في مجال التحول الرقمي المجتمعي في الأردن، استجابة لرؤية جلالة الملك عبد الله الثاني نحو بناء اقتصاد رقمي ومعرفي شامل يصل إلى جميع فئات المجتمع، خاصة في المحافظات والقرى والمناطق الأقل حظاً وفي المخيمات . وقد خضعت المبادرة الملكية لإشراف لجنة ملكية من شخصيات وطنية كفؤة تم تعيينها بإرادة ملكية سامية، حيث تابعت الأداء والتوسع والتطوير بكل مهنية واقتدار، وأسهمت في بناء نموذج تشغيلي ناجح مكّن المحطات من الانتشار الواسع وتحقيق أثر تنموي حقيقي على مستوى الوطن حتى وصلت الى 203 محطات منتشرة من – الدرة جنوبا الى الطرة شمالا ومن الجفور شرقا الى الغور غربا – في كل قرية وفي كل بادية حتى ان بعضها أنشئ في مراكز الإصلاح وفي دور الرعاية والايتام والاحداث وتجاز ذلك الى انشاء محطات لخدمة المتقاعدين والمصابين العسكريين . ولم يقتصر الدعم الملكي على إطلاق المبادرة فحسب، بل امتد إلى التوسع الميداني، حيث تم إنشاء العديد منها بتوجيهات ملكية سامية مباشره خلال زيارات جلالة الملك حفظه الله ورعاه إلى القرى والبوادي في مختلف المحافظات، استجابة لمطالب الأهالي الذين رأوا في هذه المحطات نافذة للتعلم والخدمات الرقمية وفرص التنمية، ما يعكس إدراكاً عميقاً لأهمية هذه المحطات للمجتمعات المحلي خلافا لما نشر في التقرير الصحفي الصادر عن وزارة الاقتصاد الرقمي والريادة .

لم تكن محطات المعرفة مجرد مراكز إنترنت كما يتم الحديث عنها اليوم، بل كانت منظومة وطنية متكاملة للخدمات الرقمية المجتمعية، وقد تجاوز عدد المستفيدين منها أكثر بكثير من ثلاثة ملايين مواطن وفق أنظمة البيانات الرسمية. وقدمت المحطات خدمات حيوية شملت التدريب على المهارات الرقمية والحاسوبية، وخدمات الحكومة الإلكترونية، والمساعدة في التقديم للجامعات والقروض والمنح، ودعم معاملات الحج والخدمات الرسمية، والتقدم للوظائف والدور التنافسي في ديوان الخدمة المدنية، وتم إنشاء أكاديميات تدريب رقمية متخصصة في بعض المحافظات، وتحويل 50 محطة معرفة إلى حاضنات أعمال لدعم الرياديين في كافة محافظات المملكة.

وكان لمحطات المعرفة دور كبير في ربط التدريب ب متطلبات واحتياجات القطاع الخاص لتشغيل الشباب، وخاصة النساء، حيث سهلت المبادرة فرص عمل حقيقية للسيدات في مجالات مختلفة، ويُسجل للمحطات عدة قصص نجاح موثقة يمكن العودة إليها، تعكس أثرها التنموي والاجتماعي العميق. ، بإدارة مؤسسية مستقرة عبر مركز تكنولوجيا المعلومات الوطني سابقا.

ولكن، بعد نقل الإشراف والإدارة إلى وزارة الاقتصاد الرقمي والريادة عام 2019 بعد إلغاء مركز تكنولوجيا المعلومات الوطني، شهدت المبادرة الملكية إجراءات إدارية غير مدروسة أثرت بشكل مباشر على قدرتها التشغيلية وانتشارها المجتمعي. ومن أبرز تلك الإجراءات نقل أكثر من 50 مدرباً دفعة واحدة دون إحلال وظيفي أو خطة تشغيل بديلة، ما أدى إلى إضعاف منظومة التدريب والخدمات وإرباك العمل الميداني في عدد كبير من المحطات. ولم تتوقف الآثار عند هذا الحد، بل امتدت لتصل إلى إغلاق محطات كاملة في بعض المحافظات، حتى إن إحدى محافظات الجنوب وهي من المحافظات الأكثر حاجة للخدمات الرقمية والتنموية لم يبقَ فيها أي محطة عاملة، وهو ما يمثل تراجعاً واضحاً عن فلسفة الشمول الرقمي التي قامت عليها المبادرة الملكية أساساً. كما نتج عن هذه الإجراءات إغلاق عدد من حاضنات الأعمال التي كانت جزءاً من منظومة المحطات، والتي تشير التقديرات إلى أن كلف إنشائها وتجهيزها كلفت الكثير من موازنة الدولة الأردنية ، ما يعني خسارة فعلية لاستثمارات وطنية كان يمكن أن تستمر في دعم الريادة المحلية وخلق فرص اقتصادية حقيقية في المحافظات.

أما في المرحلة الثانية، عندما تم إقرار الخطة الاستراتيجية لمحطات المستقبل في 2024 والممتدة لأربع سنوات ونقل المحطات إلى وزارة الشباب من أجل توحيد الجهود، فقد تم نقل أكثر من 60 مدرباً، ما أدى إلى إغلاق حوالي 60 محطة أيضا كانت عاملة في القرى والبوادي، واليوم لا يتجاوز العدد الفعلي للمحطات العاملة 20 محطة فقط من أصل 203 محطات. هذا الانخفاض يعكس أثر القرارات الإدارية على انتشار المبادرة وفاعليتها في خدمة المواطنين، ويؤكد أن المشكلة لم تكن يوماً في فكرة محطات المعرفة، بل في طريقة إدارتها بعد التحولات المؤسسية.

إن نسب الاستخدام الحالية لما يسمى “محطات المستقبل” لا يمكن قراءتها بمعزل عن هذه التحولات الإدارية والتنظيمية التي غيرت نموذج التشغيل جذرياً، وأثرت على الكوادر البشرية والانتشار الجغرافي. فالمشكلة ليست في الفكرة، بل في القرارات التي أثرت على استدامة نموذجها المجتمعي الذي أثبتت نجاحها سابقاً. إن تطوير المبادرة الملكية “محطات المعرفة ” لا يتحقق بمجرد إعادة التسمية، بل يتطلب إعادة بناء النموذج التشغيلي المجتمعي، والاستثمار مجدداً في الكفاءات الوطنية، وإعادة الانتشار في المحافظات الأقل حظاً، والاستفادة من الإرث المؤسسي الناجح الذي قامت عليه المبادرة الملكية. فمحطات المعرفة كانت قصة نجاح وطنية وما يسمى اليوم بمحطات المستقبل يجب أن يُبنى على هذا الإرث لا أن يُقدَّم وكأنه تجربة بلا تاريخ.

Share This Article