شطناوي يكتب ( المنابت والأصول)


صراحة نيوز – بقلم د عبدالكريم الشطناوي
كثر في الآونة الأخيرة هواية الكتابة في الأنساب والعشائر والمنابت والأصول والشتى , وانبرى للكتابة في ذلك ,ممن يتعاطون الصيدلة والطب والسياسة وتدريس موضوع التاريخ وتخصصات اخرى، وقلة قليلة ممن لهم اطلاع
في هذا الموضوع الدقيق .
ومما لا شك فيه ان بعض من بادر للكتابة كان سعيا وراء الجاه والوجاهة،وسد النقص الذي يشعر به،ومنهم من تعب على نفسه فبذل المال والجهد والزمن.
   وقد نسي من كتب ان هذا الموضوع دقيق،ويصنف من العلوم الإنسانية ( علم النفس، علم الإجتماع،التاريخ،السياسة، الإقتصاد،الجمال…)والتي قيل فيها(أنها علوم كثيرة المناهج قليلة النتائج)ويعود ذلك  إلى أنها تتناول الظاهرة الإنسانية، فموضوع الدراسة بها الإنسان والذات المدروسة هي الإنسان، وهكذا يصبح الإنسان هو الذات والموضوع في آن واحد ’ مما يفقد الدراسة شيئا من السمات الأساسية للعلم هي الموضوعية.
  إن الدارس او الباحث هنا هو الإنسان وهو ليس معزولا عن بيئته وظروفه الإجتماعية  حوادثه متصلة بواقع مادي حيوي وضاربة في أعماق التاريخ والمجتمع،فالموضوع هنا من طبيعة معقدة وغنية، والرغبة أكيدة لدى الدارس  في إخضاعه لدراسة علمية دقيقة وحديثة،ولا شك أن الإنسان لا يستطيع أن يقف حيال ظواهره
موقف عدم الإكتراث واللامبالاة
فالظاهرة الإنسانية ليست شيئا كالأشياء المادية الخارجية،إنها ظاهرة تهم الأنسان وتتصل بصميم كيانه،ولذلك لا بد من ان تتسرب إليها أحكام معيارية قيمية،بيد أن الإنسان يريد أن يفهم طبيعته بدافع الرغبة في توجيه هذه الطبيعة توجيها صحيحا يحقق له مزيدا من الكمال،ولذلك فهو مدفوع الى التجرد بقدر الإمكان من هواه، والتحرر من أحكامه الذاتية ليحقق رؤية واضحة لهذه الطبيعة.
فالكتابة بالأنساب وبالعشائرية هي في الأصل تعني الكتابة بالحادثة التاريخية،والتي هي حادثة انسانية،لأن التاريخ هو ما يحدث للإنسان،وهي حادثة اجتماعيةفالإنسان مدني بطبعه وأن ما يحدث في التاريخ يحدث نتيجة تفاعل الإنسان مع الإنسان ومع ما حوله من متغيرات في بناء مصيرمشترك.
ومن هنافإن اي حادثةتاريخية تحمل معها هويتها الإجتماعية كما أنها حادثة ذات معنى،
فالإنسان هو الكائن الوحيد الذي لا يعيش بسلوك منقوش سلفا في عضويته فهو يتجاوز دوما الوضع المعطى له،وسلوكه
يتحدد بالأهداف والغايات التي يتصورها ويرمي اليها،اي جملة المعاني التي يمنحها لحياته.
     وقد اختلط الأمر على بعض الكتاب بين مصطلحين رئيسين هما:
    (التأريخ)و(التاريخ)
      فالكتابة في تأريخ العشائر تعني أن يلجأ الباحث أو الكاتب المؤهل في كتابة مايدور وما يجري بالعشيره أولا بأول، وحادثة حادثة بصورة تتطلب الدقة،وتتوخى الموضوعية في تدوين الحدث،بعد تحري الصدق وأزالة اي غموض او التباس،متجردا من الهوى 
والميل والمزاج،وتكون لديه القدرة على تمحيص الحادثة، وفهم معانيها وسبر غورها لتكون متطابقة مع الواقع.
           بينما الكتابة في تاريخ العشيرة فإنها مهمة شاقة وهي اكثر عناء من مهمة العالم الطبيعي،فالحوادث الطبيعية هي دوما رهن اشارة العالم، يستطيع مراجعتها بين الحين والحين،ولا يختلف فيها اثنان، فالماء مركب من الهيدروجين والأكسجين،وهو كذلك في جميع انحاء العالم.
   اما حوادث التاريخ فهي في خبر كان،وما على الباحث الا ان ينتقل من الحاضر الى الماضي ليكشف عنه الغطاء.
   إن دراسة تاريخ العشيرة تتطلب دراسة علمية،تتبع منهجا
خاصا في الدراسة،يتضمن خطوات قبل البدءبالكتابة،حتى تأتي دراسة مقنعة للقارئ، وبعيدة عما يشوبها من شوائب.       وأهم هذه الخطوات:
1)حمع المصادر:مما لا شك فيه أن الماضي يضيع منا اذا لم تبق منه اشياء تدل عليه وتشير اليه،وهناك عصوركاملة لانعرف تاريخها بدقة،لأن آثارها اندثرت وضاعت ونسميها عصور ماقبل التاريخ،وإن دليل الكاتب أو الباحث في ظلمة الماضي  هو الوثيقة أو الأثر،وما عليه إلا أن يقوم بجمع الوثائق وكل الآثار المتعلقة بتاريخ العشيرة .
    والمصادر نوعان:
أ)مصادر إرادية :وهي مصادر قصد بها الإنسان حفظ حوادثه وصيانتها،وهي وثائق خلفٍها الإنسان عمدا لتكون شاهدا عليه،وهي كثيرة ومتنوعةمنها:    الأحاديث المروية خلفا عن سلف،والمذكرات،والنشرات الرسمية،والخطب،والمحاضرات،واحكام المحاكم.
ب)مصادر غير ارادية :وهي الآثار التي انتجها الإنسان وخلفها بعده دون قصد،وهي مصادر عفوية تعبر بصدق عن عن حوادث الماضي،وهي متعددة منها :
  القصص والأساطير والملاحم والمسرحيات والشعر والألبسة والبنايات….الخ.
ولكي يحسن الكاتب او الباحث الإنتفاع من جملة الوثائق التي يعثر عليها،ينبغي عليه ان يستعين بعلوم أخرى، تسمى العلوم الموصلة،منها:
     فقه اللغة،فالوثائق مكتوبة بلغات مختلفة،واللغة الواحدة قد تتعرض لتطورات وتحولات، وينبغي عليه أن يلم بالخطوط والرموز الكتابية،وإن يلم بالاركيولوجيا(علم الأشياء القديمة)فبقايا تارخ الإنسان غير المكتوبة من شأنها ان تشير إلى تدرجه وتقدمه في الحضارة. 
2)تحليل المصادر ونقدها:
فبعد جمع الوثائق يبدأ الباحث بفحصها وتمحيصها،فالوثائق ليست دائما سليمة من حيث الشكل او المحتوى،فقد يلحقها البلى أو التشويه المقصود او غير المقصود، ولذا على الباحث ان يتسلح بمقدار من الحذر والشك والذكاء،حتى يستبين له الغث من السمين .
      ولهذا الغرض فإن الباحث يتناول الوثيقة،فيبدأ بتحليلها ويصب عليها نوعين من النقد :
=  نقد مادي : يتفحص فيه الباحث مادة الوثيقة ومظهرها الخارجي قبل ان ينسبها إلى الفترة الزمنية التي يراد ان تنسب اليه.
  فالوثيقة الخطية مثلا تتطلب دراية وخبرة من الباحث تكسبانه علما بمادة الورق المستعمل في كل فترة زمنية، ونوع الخط واسلوب الكتابة والتواقيع. فعلى سبيل المثال:
فقد ظل البابوات وحتى القرن الخامس عشر ينازعون الأباطرة
في سلطتهم الزمنية فقد كانةا يستشهدون بوثيقة يزعمون ان الإمبراطور قسطنطين قد منحهم بموجبها سلطته الزمنية اعترافا بجميلهم في تنصيره . وقد اثيت الباحث (لورونزوفالا  1406-1457)أن هذه الوثيقة مزورة،لأنها كتبت بلغة واسلوب  وورق وحبرالقرن
الثامن،أي بعد وفاةقسطنطين بخمسة قرون .
= نقد باطني : بعد ان يتأكد الباحث من سلامة الوثيقة في مظهرها ومادتها، يتناولها نقدا من الداخل،وهنا فإنه يتحول إلى خبير نفسي،يجول في أعماق الوثيقة،فيبحث عن المقاصد،فهو لا يقرأ السطور، وإنما يقرأ ما تحت السطور، وهو لا يثق بظاهر القول بل يبحث في باطنه،وهو لا ينزه الراوي بل يبحث عن هويته وانتمائه وسلوكه،وحتى اذا ثبتت براءته يلاحقه الباحث ليتثبت من كفاءته الفكرية وقوة ملاحظته،ووضعية الحدث بالنسبة اليه.
    فالباحث هنا يعكس القول ((كل أثر مدان حتى تثبت براءته)).
3) الإنشاء والتركيب :
  الكتابة:بعد ان يحقق الباحث بالموضوع وينفض عنه غبار الشك والريبة،يبدأ بعملية البناء والكتابة في الظاهرة الإنسانية  منطلقا من الوقائع التي حققها  فالواقعة لا تحتل مكانة الا اذا ادمجت في سياقها الزمني والمكاني،وتآلفت  من مجموع الحوادث العامةالتي كانت تشكل حاضر مجتمع بشري في وقت من الأوقات،حاضرا له سماته ومعالمه واهتماماته ونوازعه التي تجول في ضميره وتحركه نحو أهدافه،  والوثائق التي بين يدي الباحث لا تفصح الا عن حوادث جزئية وقد تكون متضاربة ومتباينة حول الموضوع.
وهنافإن الباحث يكون مضطرا ليملأ الفجوات والثغرات التي لم تتحدث عنها الوثائق ولم يشهد عليها شاهد،وهنا تتجلى عبقرية الباحث ليرفع الستار عن الجزئيات بأبطالهاوحوادثها وشخوصها.                   
وتتطلب هذة العمليه ما يلي :
ترتيب الحوادث:فالحوادث متراكمة وليست على درجة واحدة من الأهمية،ولذا فإنها تحتاج الى صياغة منسجمة حيث توضع في مكانها اللائق.  
  /الشرح:بعد أن يقوم الباحث بالصياغة،عليه ان يقدر سلفا بأنه سيتلقى أسئلة حول ما كتبه .   
        مما تقدم نجد ان الكتابة بالأنساب والعشائر ،المنابت و الأصول والشتى ليست مجرد هواية يمارسها من لا هواية له، وإنما هي عملية معقدة تتطلب علما ومنهجا،دراية وخبرة حتى لايقع الكاتب بالمزالق والأغلاط والزلات التي توقعه بألسنة الناس ,وتعرضه للعداوة وقد عكست ممارسة تلك الهواية ببعض من مارسها الوقوع في الكثير من الاخطاء الشنيعة  لأسباب مقصودةأوغير مقصودة
فقد حطوا من شأن من له شأن كبير،ورفعوا من شأن من هم في درجة الشتى إلى أعلى المراتب وألأنساب،فجلبوا بذلك لأنفسهم الكثير من المتاعب والخصومات،وعرضوا أنفسهم للتأنيب واللوم وتقديم الأعتذار   وإنني أتساءل لماذا كل هذا التهافت والهرولة للكتابه في هذا الشأن ؟
ألى متى نتغنى بأنجاد الماضي ونهمل الحاضر؟
     ألم يقرأ من كتب قول الله تعالى (ياأيها الناس إنَا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا  إن أكرمكم عند الله أتقاكم)،وقال الرسول الكريم (ألأنسان أخ الانسان أحب أم كره ) وقال (الناس سواسية كأسنان المشط ).
ألم يقل الشاعر العربي :
لا تقل اصلي وفصلي ابدا .
إنما أصل الفتى ما قد حصل .
وإنني أكتب في هذا الموضوع قاصدا الأفادة والأستفادة والبحث عن الحقيقة بطريقة علمية ممنهجة،بعيدا عن أي أهداف خاصة،أو تعرضا لمن كتب في هذا الموضوع،خاصة أنه أصبح قضية جدليه ما بين مؤيد ومعارض،في وقت نحتاج فيه ألى التحابب والتعاون.
          والله الموفق.