بين الأرقام والقراءة السياسية: أداء نيابي متقدم تشريعيا.. و”الاستثنائية” تلوح في الأفق

6 د للقراءة
6 د للقراءة
بين الأرقام والقراءة السياسية: أداء نيابي متقدم تشريعيا.. و"الاستثنائية" تلوح في الأفق

صراحة نيوز – عمان – عندما نريد قراءة ما أعلنه رئيس مجلس النواب مازن القاضي أول من أمس، وما أورده تقرير مركز الحياة – راصد في اليوم نفسه أيضا، حول أداء المجلس، فسنخرج بنتيجة تفيد بإن الدورة العادية الثانية للمجلس النيابي العشرين التي انفضت مستهل الأسبوع الحالي، قدمت نموذجًا مركبًا في الأداء، ملخصه تقدم في المسار التشريعي، مقابل فجوات نسبية بتفعيل الأدوات الرقابية، وهي لا تُضعف التجربة بقدر ما تفتح الباب أمام التطوير

“استثنائية” مرتقبة

وبين تزايد التوقعات بعقد دورة استثنائية مرتقبة في تموز (يوليو) أو آب (أغسطس) المقبلين، فإنه يتوقع أيضا بأن يدرج على جدول أعمالها، مشروع قانون الإدارة المحلية والملكية العقارية، وربما تعديلات النظام الداخلي لـ”النواب”؛ إذ يتوجب قراءة الدورة العادية المنفضة بشكلها التفصيلي؛ فعلى المستوى التشريعي، تظهر الصورة أكثر وضوحًا وإيجابية؛ بعد أن أقر المجلس 19 قانونًا من أصل 23 بنسبة إنجاز قاربت 83 %، وهي نسبة تعكس قدرة مؤسسية على التعامل مع عبء تشريعي متزايد بكفاءة؛ وتكتسب هذه النتيجة، أهمية إضافية عند ربطها بما كشفه تقرير “راصد” من أن 25 % من التشريعات، شهدت تعديلات داخل اللجان النيابية، وأن 96 % من التعديلات أُقرت تحت القبة، ما يشير إلى أن اللجان، فعلت أدواتها وخطت إيجابيا، ما يتطلب البناء على خطواتها، ورفع نسبة التعديلات.

وقد عقدت اللجان 353 اجتماعًا، وتصدرت لجان: الخدمات العامة والنقل والمالية والطاقة والعمل والتربية والتعليم، قائمة الأكثر فاعلية، ما يعكس تحولًا نحو العمل التخصصي، وهو مؤشر جوهري بتعلق بإمكانية أن تشهد الدورة المقبلة تقدما أكبر.
في المقابل، تبرز في الجانب الرقابي مؤشرات، تحتاج إلى قراءة أعمق، بعيدًا عن التقييم السريع أو الأحكام القاطعة. صحيح أن النواب وجهوا 770 سؤالًا، والحكومة أجابت على 75 % منها، لكن التقرير أشار إلى أن ثلث النواب تقريبًا، لم يتقدموا بأي سؤال، وأن عدد الأسئلة التي نوقشت فعليًا تحت القبة كان محدودا؛ لكن هذا التفاوت يمكن تفسيره في سياقين أساسيين: الأول، أن جزءًا كبيرًا من الرقابة بات يُمارس خارج القبة، سواء عبر بند “ما يستجد من أعمال”، أو عن طريق التواصل المباشر مع الحكومة، وهو ما أشار إليه القاضي بوضوح عند الحديث عن مئات المداخلات والأسئلة المباشرة التي يجري التعامل معها فورًا، وهذا رفع منسوب التنسيق بين السلطتين فرئيس الوزراء د. جعفر حسان التقى كتلا ونوابا فرادى عدة مرات، كما أن وزير الشؤون السياسية والبرلمانية عبد المنعم العودات في تواصل دائم مع النواب.

خفض التصعيد السياسي
وبشأن الاستجوابات، فإن عدم مناقشة أي استجواب للعام الثاني على التوالي، برغم تقديم 8 استجوابات والإجابة عن 25 % منها، يطرح تساؤلات مشروعة حول فاعلية هذه الأداة تحديدًا، لكنه في الوقت ذاته، يعكس طبيعة العلاقة الحالية بين السلطتين، والتي تميل إلى خفض التصعيد السياسي تحت القبة، مقابل تعزيز قنوات التنسيق المباشر.

وهنا تحديدًا، يبرز الدور المحوري الذي لعبته وزارة الشؤون السياسية، إذ شكّلت حلقة وصل فعالة بين الحكومة والمجلس، وأسهمت برفع نسب الاستجابة الحكومية للأسئلة والمذكرات، وإدارة إيقاع العلاقة بما يضمن تمرير التشريعات بسلاسة، دون إغفال للاعتبارات الرقابية. هذا الدور لم يكن تقنيًا فقط، بل سياسيًا بامتياز، يقوم على بناء الثقة، وتفكيك الخلافات قبل وصولها إلى مرحلة التأزيم تحت القبة.
كما لا يمكن إغفال أن بروز كتل مثل “الأمة” و”عزم” و”مبادرة” و”الاتحاد والإصلاح” و”الميثاق”؛ في تقديم الأسئلة، يعكس بداية تشكل عمل برامجي في المجلس، حتى وإن كان ما يزال بحاجة لمزيد من التوازن بتوزيع الأدوار بين النواب.

أما على صعيد أدوات الرقابة الأخرى، فأظهر التقرير ارتفاعًا باستخدام المذكرات النيابية (74 مذكرة) والاقتراحات برغبة (62 اقتراحًا)، وهي أدوات تعكس توجّهًا لدى النواب نحو التأثير في السياسات العامة بطرق مرنة وأقل تصادمية، بخاصة في ظل بيئة سياسية، تسعى لتعزيز الاستقرار والتدرج في الإصلاح.
ثقافة العمل النيابي
وأمام هذا التقدم المؤسسي، لا يمكن التجاهل بأن جزءًا من التحدي ما يزال مرتبطًا بثقافة العمل النيابي لدى بعض الأعضاء، إذ يبرز أحيانًا نزوع نحو العمل الفردي والشعبوي على حساب الأداء الجماعي المنظم. فالمؤشرات التي أظهرت بأن ثلث النواب لم يتقدموا بأسئلة رقابية، مقابل بروز أسماء محددة بكثافة، تعكس خللًا بتوزيع الأدوار في المجلس، وتطرح تساؤلات حول مدى التزام الجميع بروح العمل البرلماني القائم على المبادرة والمسؤولية، لا الاكتفاء بالحضور أو الاكتفاء بمواقف إعلامية.

كما أن اللجوء أحيانًا إلى خطاب شعبوي سريع، أو مداخلات تستهدف كسب التأييد اللحظي، قد يأتي على حساب جوهر العمل النيابي القائم على التشريع الرصين والرقابة العميقة. فالمجلس، بوصفه مؤسسة دستورية، لا يُقاس أداؤه بعدد التصريحات أو الظهور الإعلامي، بل بقدرته على إنتاج سياسات وتشريعات متماسكة، وممارسة رقابة فعالة ضمن أطر مؤسسية؛ ومن هنا، تبدو الحاجة ملحّة لتعزيز العمل الكتلوي والبرامجي، بحيث ينتقل الأداء من الفردية وردود الفعل إلى نهج جماعي ناضج يعكس تطلعات الدولة ويعزز ثقة المواطنين بالمؤسسة التشريعية
في المحصلة، فالجمع بين معطيات القاضي وتقرير “راصد”، يقود إلى نتيجة أساسية مفادها بأن المجلس النيابي العشرين مر بمرحلة إعادة تموضع  في أدواره؛ رقابيا وتشريعيا؛ وهذا لا يُعد خللًا بقدر ما هو مرحلة انتقالية طبيعية في ظل تطور الحياة البرلمانية، وتنامي دور الكتل، وتعاظم أهمية التنسيق المؤسسي.

الأهم أن هذه المؤشرات، الإيجابية منها والإخفاقات والتحديات، تؤكد أن الباب ما يزال مفتوحًا أمام تطوير أدوات الرقابة، بما يواكب الزخم التشريعي ويحقق تطلعات المواطنين، وهو ما أشار إليه القاضي بوضوح، حين أكد أن “المسؤولية مستمرة والطموح أكبر”.

 

الغد

Share This Article