صراحة نيوز – عوض ضيف الله الملاحمة
بديهي ان كافة القراء الكرام يعرفون حادثة الدبّ وصاحبه . ولأهميتها أوردها نصاً : حكاية شعبية ، تعتبر من الأدب الرمزي ، تتحدث عن دُبٍّ قَتل صاحبه . المغزى منها انها تُحَذِّر من ( الصديق الجاهل ) ، ونصها :[[ أحب دبّ صياداً وأراد حمايته ، وبينما كان الصياد نائماً ، حطت ذبابة على وجهه ، فجاء الدبّ بحجر كبير لضرب الذبابة ، لكن الذبابة طارت ، وكانت نتيجة دفاعه عن صاحبه انه قتله ]] .
وترمز هذه القصة الرمزية الى ان الدفاع ، او المحبة بلا عقل ، وتفكُّر ، وتدبُّر ، ومنطق قد تكون نتيجته قاتله . وأن الدفاع عن شخص او جهة ما ، دون ان يكون الدفاع معززاً بأدلة وبراهين لا يخدم المُدافَعِ عنه . او على الأقل ان يكون الدفاع منطقياً كحدٍ أدنى . ثم كيف يكون الدفاع عندما يورد المدافع امثلة غير صحيحة ومنافية للحقائق المعروفة ؟ وهنا ينطبق المثل القائل أن : ( العدو العاقل خير من الصديق الجاهل ) .
إنتشرت في مجتمعنا الأردني ظاهرة ، تتمثل هذه الظاهرة في الدفاع الضعيف عن شخصٍ ما ، او مسؤولٍ ما ، او نهجٍ ما ، او جهة ما ، بطريقة تسيء ، وتشوه ، وتُضعِف موقف المُدافَع عنه .
كيف لشخصٍ ما يود الدفاع عن مسؤول معين مثلاً ، فلا يكتفي بكيل المديح المفرط والسخي له — ومع ذلك فإن هذا لا يهمنا لانه لا يقدِم ولا يؤخر ولا يقلب الحقيقة — لكن كيف يستقيم ان يدافع عن قانون ، او قرار ، او تصريح ، او إجراء خاطيء ، والخطأ فيه واضح وجليّ ، وعدم الصِحة فيه فاقعة وواضحة لكل متابع حصيف .
القاعدة التربوية الأخلاقية العميقة المنسوبة الى سيدنا علي إبن أبي طالب رضي الله عنه ، تقول : ( من مدحك بما ليس فيك فقد ذمّك ) . المبالغة في المديح بصفات غير موجودة في الشخص ، او الدفاع عنه دون منطق ، ولو أدى الغرض آنياً ، الا انه يعتبر ( قدحاً ) وذمّاً غير مباشر . وللعلم فإن من مدحك بما ليس فيك فهو خليق ان يذمك بما ليس فيك أيضاً .
الدفاع عن شخص او فكرة يتطلب مجموعة من الضوابط والشروط ، وتنقسم هذه الشروط الى جوانب قانونية وجوانب أخلاقية .
إنكار الحقائق او ( ليّ عنقها ) ، هو رفض مواجهة الواقع الصعب او القاسي ، او تجاهل ( معلومة موثقة ) — رغم انه قد يوفر راحة مؤقتة — الا ان له آثاراً سلبية على المدى البعيد ، تكون عميقة ومدمرة ، على الصعيدين النفسي والإجتماعي ، والأهم أنه يؤدي الى فقدان الثقة .
والإنكار الزائف لحقيقة معروفة ، بل مؤكدة شعبياً ، هو ببساطة رفض الإقرار بحقيقة بأن حدثاً ما قد حصل بالفعل ، يؤدي تراكمه الى فقدان الثقة والإحترام . وهو سلوك غريب مُشين يسيء أكثر مما يخدِم .
أنواع الإنكار كثيرة ومتنوعة ومتعددة ، أذكر منها :—
١ )) إنكار الأثر :— وهو يقلل آنياً من عواقب السلوك ، لكنه يضخم تلك العواقب لاحقاً ، وهو أسلوب غير لائق ، لا بل غير محترم .
٢ )) إنكار المسؤولية :— حيث يحاول الشخص تبرير السلوك او التغاضي عنه .
٣ )) إنكار الأمل :— ويدلّ على ان الشخص غير راغبٍ او غير قادرٍ في إتخاذ خطواتٍ فعالة لإصلاح الأمور .
٤ )) إنكار الواقع :— ويعني ان المشكلة لم تحدث قط ، ويكون إنكاراً فجّاً ، وإنعكاساته أحياناً تكون مدمرة على المدى البعيد . (( منقول )) .
محاولة ( ليّ عُنق ) الحقيقة فيه إستغفال للناس ، وهذا سلوك مسيء ، مشين ، وغير محبذ . الإستخفاف بعقول الناس ومداركهم وقدرتهم على فرز الغث من السمين يرتقي الى مستوى الجريمة الإجتماعية التي مدادها الإستغفال والإستهانة بمدارك الناس وحصافتهم .
نقل المعلومة او الإفصاح عنها يعتبر أمانة ، وهي مبدأ أخلاقي ، ومهني أصيل ، يقوم على أساس نقل الحقائق بدقة وأمانة دون زيادة او نقصان ، وأهم ركائز هذه الأمانة الدقة والصدق .
إنكار الحقائق ، والتملص من قول الحقيقة ، يرقى لمستوى الجريمة الإجتماعية . الذي يدافع دون حجة ، ومنطق ، وعقل ، ( لا يحترم عقول الآخرين ) ، ( ويسيء ) لمن يدافع عنه .
ومن يحاول ( نفي المؤكد ) ، والقفز على المنطق والحقائق يسيء لمن يود الدفاع عنه . ومحاولة تغطية الشمس بغربال غباء .
والقفز على الحقائق قفزة في الهواء ، وقفزة في المجهول .
ما أكثر الدببة التي هشمت رؤوس أصحابها .
للعلم ، أحيانا يكون النفي إثباتا اقوى من التاكيد . والدفاع السطحي عن طريق نفي المؤكد يعتبر تشويهاً وإساءة وإستخفافاً بمن يُقصد الدفاع عنه .
التعصب تحجر عقلي وذهني وسلوكي . واذا لم يرتكز الدفاع على المنطق والعقل والإتيان بالأسباب الجوهرية يسيء . ينكرون المؤكد ، لذلك لا يخدمون من يودون الدفاع عنه .
الأمثلة تُعد بالمئات ، لكنني سوف أذكر ثلاثة أمثلة للتدليل فقط :—
١ )) محاولة إقناعنا بأن مفاعل ديمونة الذي يمتلكه العدو الصهيوني ( آمناً ) ، فيه دفاع مستتر عن العدو ، وتقليل لما يمتلك العدو من أسلحة دمار شامل تهددنا وتهدد العرب أجمعين .
تتذكرون ما صرح به الخبير النووي لدى الكيان الصهيوني / مردخاي فعنونو غير مرة ، حيث كشف عن تسرب إشعاعي خطير في مفاعل ديمونة . وخرجت علينا إحدى الصحف اليومية الأردنية بمانشيت على الصفحة الأولى ، بتصريح لأحد كبار المسؤولين الأردنيين ، يقول فيه أن مفاعل ديمونة ( آمن ) .
٢ )) إنكار تجميع فاقد الكهرباء وإضافتة الى فواتير المشتركين في نهاية كل عام ، في الوقت الذي أكده بعض مهندسي الكهرباء المتخصصين ، إستغفال ، وإستهتهار بالناس .
٣ )) ينفون ، وينكرون إستهداف العدو الصهيوني للوطن ، متحججين بمبررات واهية وضعيفة ، رغم تأكيد كبار مسؤولي العدو عدة مرات على إستهدافنا .
وطننا عزيز ، ومواطننا واعٍ ومنتمٍ ، ولا يسحتق ان يُستهتر ويُستهزأ به ، بل يستحق ان يُكرّم ويُحترم . لا نريد عناق الدببة ، بل نريد مصداقية تعكس إحتراماً لعقولنا .
وأختم بما يلي :—
١ )) من أجمل ما قيل في إنكار الحقيقة وتجاهلها ، ما قاله الشاعر العظيم / بشار بن برد ، يصف فيه حال من يُكذب ويُنكِر الواقع رغم وضوحه ، حيث قال :—
لَبعضُ جيفةِ كلبٍ خَيرُ رائحةٍ / مِن كِذبةِ المرءِ في جَدٍّ وفي لَعِبِ .
٢ )) وقيل عن ليِّ عُنقِ الحقيقة وتحريفها :—
يَلْوُونَ عُنُقَ الحقِّ كي يتماشى / مع إفكهم ، فبئس ما قد صاغوا
هي شَمْسُهُمْ ، لكِن يُغطُّونَ الضُحى / بِرداءِ زُورٍ ، فالقُلُوبُ زاغوا .
٣ )) وقال المفكر والفيلسوف الجزائري / مالك بن نبي :—
لا تصمت عن قول الحقّ ، فعندما تضعُ لِجاماً على فمِك ، سيضعون سرجاً على ظهرِك .

